توقيت القاهرة المحلي 14:42:48 آخر تحديث
  مصر اليوم -

محمد بن عيسى… قصة رجل ومدينة

  مصر اليوم -

محمد بن عيسى… قصة رجل ومدينة

بقلم : خيرالله خيرالله

لم يكن محمد بن عيسى الذي غيبه الموت عن 88 عاماً مجرّد صديق قديم عرفته منذ ما يزيد على ثلاثين عاماً. كان أكثر من ذلك بكثير كسياسي ومثقف وصاحب تجربة إستثنائية في كافة ميادين الحياة وفي معرفة طبيعة البشر. كان خبيراً في كيفية التعاطي مع الناس بكل فئاتهم، خصوصاً مع أهل مدينته أصيلة الذين كان يعرفهم فرداً فرداً، هو الذي حوّل أصيلة من قرية للصيادين على شاطئ المحيط الأطلسي إلى مدينة مغربية متوسطة الحجم تتزاحم بين جدرانها السياسة والثقافة والفن والأدب والموسيقى.

جعل محمد بن عيسى من أصيلة ينبوعاً دائماً لثقافة الحياة ومكانا ينتج إبداعاً ونقاشات سياسية على أعلى المستويات وفي أكثر المواضيع دقة وحساسية. ما كان لمحمد بن عيسى أن يتمكن من ذلك لولا وجود الفضاء المغربي الرحب، الذي هو فضاء انفتاح على كل ما له علاقة بالسياسة، بمعناها الراقي، والقيم الحضاريّة… ولولا قدرته على الإبداع وتطوير نفسه، حتى بعد تجاوزه الثمانين من العمر.

كان محمّد بن عيسى انساناً كريماً قبل أي شيء. كذلك، كان كريماً في كلّ شيء. كان كريماً في محبته لأصدقائه وقربه منهم ورعايتهم. كان يجعلك تشعر بأنك موضع إهتمامه المباشر في عالم عرف “السي بن عيسى”، كما كان يناديه الذين عرفوه، كيف يكون التواضع وكيف يحترم الإنسان نفسه ويخدم بلده في آن.

خدم  “السي بن عيسى” المغرب حتى الرمق الأخير من حياته. تميّز بالتواضع والمعرفة في كلّ موقع شغله كوزير للثقافة أو كسفير للمملكة المغربيّة في واشنطن… أو كوزير للخارجية بين 1999 و 2007. لكنّ الموقع الذي التصق بشخصيته كان موقع الأمين العام لمنتدى أصيلة الذي أسسه في العام 1997 كي يستمر موسم أصيلة الثقافي الذي انطلق في العام 1978.
كان محمّد بن عيسى انساناً كريماً قبل أي شيء. كذلك، كان كريماً في كلّ شيء. كان كريماً في محبته لأصدقائه وقربه منهم ورعايتهم

إفتخر محمّد بن عيسى بأنه كان رئيساً لبلدية أصيلة. من موقع رئيس البلدية وانطلاقاً من موسم أصيلة، الذي استضاف شخصيات عربية وإفريقية وعالمية طوال سنوات استطاع الرجل أن يلعب دوراً طليعياً في الربط بين المغرب وإفريقيا. استضافت أصيلة معظم الشخصيات الإفريقية التي كانت ذات شأن، بمن في ذلك رئيس السنغال الراحل ليوبولد سنغور الذي كان شاعراً وأديباً ومعجباً بالمغرب أيضا. لكن أهم ما تميزت به أصيلة كانت تلك الجرأة التي تمتع بها محمّد بن عيسى. مكنت هذه الجرأة موسم أصيلة من أن يكون مكانا تناقش فيه مواضيع سياسية ودينية لا يمكن أن تناقش في أي مكان آخر غير المغرب. أكان ذلك في عهد الملك الحسن الثاني أو في عهد الملك محمّد السادس.

أتيحت لي فرصة المشاركة في موسم أصيلة مرات عدّة، كانت آخرها موسم العام الماضي (2024). توصلت إلى خلاصة فحواها أن القصة، قصة رجل ومدينة استمرت أقل بقليل من نصف قرن من الجهد الخلاق والدؤوب الصادر عن رجل وضع نفسه في خدمة بلده المغرب وأهل مدينته أصيلة وفي خدمة الفكر الإنساني على كل صعيد. إنها قصة مواطن استثنائي في بلد فريد اسمه المغرب يمتلك قيادة مستنيرة ممثلة بالملك الإنسان الذي اسمه محمّد السادس.

استطاع محمد بن عيسى تجديد موسم أصيلة في كل سنة. لم ينم على أمجاده وعلى نجاحاته في عالم لا مكان فيه سوى للناجحين.

سيذكر التاريخ محمد بن عيسى بأنّه عمل ما لم يستطع كثيرون عمله من خلال أي موقع شغله. وضع أصيلة على خريطة المغرب وعلى الخريطة العربية والإفريقية والدولية. بقي الموسم فكرة تتطور كل سنة من دون عقد من أي نوع كان، بما في ذلك عقدة طرح مواضيع معقدة من نوع “الخواء العربي” وأخرى متعلقة بالتطرف الإسلامي.

إقرأ أيضاً: حسن نصرالله… في مدينة كميل شمعون

لم يكن ذلك ممكنا من دون محمد بن عيسى، رجل العلاقات العامة بإمتياز الذي يعرف بناء صداقات في كل الأوساط العربيّة والدولية، صداقات وظفها في خدمة المغرب البلد الذي إفتخر دائماً بالإنتماء إليه وبوضع نفسه في خدمته.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

محمد بن عيسى… قصة رجل ومدينة محمد بن عيسى… قصة رجل ومدينة



GMT 14:01 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

لبنان يفاوض كي لا يكون الجنوب… جولانَ آخر

GMT 13:58 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

الأولون

GMT 13:56 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

ربطة عنق إيرانية

GMT 12:34 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

كتاب عاصف يقول كل ما كان عليه كيسنجر!

GMT 12:25 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

لا يمكن لإيران أن تكونَ ضد العالم

GMT 12:23 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

ماذا يخبئ عام الحرب الرابع للسودان؟

GMT 12:20 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

يوم مقتل فرعون!

GMT 12:17 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

التاريخ بسرعة مجنونة

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 09:03 2025 الجمعة ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

النيران تلتهم أكثر من 20 سيارة تسلا في مركز بيع بفرنسا

GMT 03:03 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

كل ما تريد معرفته عن شروط الألتحاق بكلية أخرى بعد التخرج
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt