توقيت القاهرة المحلي 18:24:24 آخر تحديث
  مصر اليوم -

غزّة ضحية تواطؤ بين مشروعين مستحيلين!

  مصر اليوم -

غزّة ضحية تواطؤ بين مشروعين مستحيلين

بقلم - خيرالله خيرالله

ليست المأساة الإنسانية التي مسرحها قطاع غزّة في هذه الأيام سوى حصيلة فكر إلغائي إسرائيلي من جهة وما زرعته “حماس” التي جمعت بين فكري الإخوان المسلمين و”جبهة الممانعة” من جهة أخرى. جمعت “حماس” عمليا بين فكر الإخوان، بأسوأ ما فيه من تطرّف وخبث وعبثية سياسيّة، وبين المشروع التوسّعي الإيراني الذي ركز منذ قيامه على الاستحواذ على قضية فلسطين والمتاجرة بها إلى أبعد حدود المتاجرة. وضعت “حماس” نفسها منذ البداية في خدمة المشروع الإيراني مع ما يعنيه من إلغاء للمشروع الوطني الفلسطيني

منذ احتلال إسرائيل لغزّة، التي كانت تحت الإدارة المصريّة لدى وقوع حرب العام 1967 والسؤال في الدولة العبرية: ما العمل بالقطاع ذي المساحة الصغيرة والكثافة السكانيّة الكبيرة؟

 صار مثل هذا السؤال أكثر إلحاحا في مرحلة ما بعد الانسحاب الإسرائيلي من سيناء نتيجة توقيع معاهدة السلام المصريّة – الإسرائيليّة في آذار – مارس 1979 وتحوّل القطاع إلى أرض فلسطينية محتلّة كما حال الضفّة الغربيّة التي باتت تمتلك عمليا من يتكلّم باسمها. كان ذلك عبر وجود منظمّة التحرير الفلسطينية “الممثل الشرعي الوحيد للفلسطينيين” منذ قرار قمة الرباط في العام 1974.

"حماس" جمعت بين فكر الإخوان بأسوأ ما فيه من تطرّف وعبثية سياسيّة، وبين المشروع التوسّعي الإيراني الذي ركز منذ قيامه على الاستحواذ على قضية فلسطين والمتاجرة بها إلى أبعد حدود المتاجرة

تمنّى غير مسؤول إسرائيلي لو يبتلع البحر غزّة. اقترحت حكومات إسرائيلية عدّة، بمن في ذلك حكومات كان ارييل شارون عضوا فيها،  أن تكون غزّة “الدولة الفلسطينية” الموعودة. حصل ذلك خصوصا بعدما قطع الأردن الطريق على أن يكون “الوطن البديل” عندما اتخذ الملك حسين القرار التاريخي بفكّ الارتباط بين المملكة الهاشمية والضفة الغربيّة صيف العام 1988. الحق العاهل الأردني الراحل فكّ الارتباط باتفاق السلام مع إسرائيل في تشرين الأول – أكتوبر 1994، وهو اتفاق رسّم الحدود بين الأردن وفلسطين من جهة وبين المملكة الهاشمية وإسرائيل من جهة أخرى.

من المفيد في كلّ وقت ملاحظة أن الأردن لم يوقع اتفاقا مع إسرائيل إلّا بعدما ضمن حقوقه في الأرض والمياه… وبعد توقيع اتفاق أوسلو بين ياسر عرفات واسحق رابين في حديقة البيت الأبيض. عرف الملك حسين، بعقله الإستراتيجي، كيف يتحيّن فرصة أوسلو ووجود اسحق في موقع رئيس الوزراء الإسرائيلي كي يعزز موقع الأردن إقليميا ويطوي صفحة مشروع “الوطن البديل” الذي رفعه اليمين الإسرائيلي الذي سعى دائما، خصوصا منذ توقيع اتفاق أوسلو، إلى إجهاض المشروع الوطني الفلسطيني الذي في أساسه حل الدولتين.

لعلّ أهمّ ما في اتفاق أوسلو الذي مكّن ياسر عرفات، الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني، من العودة إلى أرض فلسطين ورؤية القدس ولو من بعيد، تضمنه فكرة “غزّة وأريحا أوّلا”. ليس صدفة أنّ “أبو عمّار” قرّر العودة إلى فلسطين عن طريق غزّة التي دخلها برّا آتيا من الأراضي المصريّة. وليس صدفة إصراره على الربط بين غزّة والضفّة الغربيّة.

ما ليس صدفة أيضا إصرار “حماس” منذ توقيع اتفاق أوسلو على إفشاله. لعبت العمليات الانتحارية التي نفذتها على إحداث تغيير عميق داخل المجتمع الإسرائيلي ودفعه في اتجاه أن يكون أكثر يمينية… وصولا إلى قيام الحكومة الحالية لبنيامين نتانياهو التي تعكس الحالة المرضية التي بات يعاني منها هذا المجتمع.

من “غزّة وأريحا أوّلا”، صارت “غزة في منتصف العام 2007″ إمارة إسلاميّة” على الطريقة الطالبانية تحكمها “حماس. بين التاريخين توجد محطات عدة من الضروري التوقف عندها. أولى هذه المحطات كانت افتتاح مطار غزّة الدولي في 24 تشرين الثاني – نوفمبر 1994 وترتيبات للعبور إلى مصر عن طريق أريحا بإشراف مراقبين أوروبيين. أتى الرئيس بيل كلينتون إلى غزّة في مناسبة افتتاح المطار وألقى خطابا في المجلس التشريعي الفلسطيني، من منطلق أن غزّة كانت الأمل بمستقبل آخر مختلف للفلسطينيين. كانت المحطة الثانية المهمّة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من غزّة في آب – أغسطس 2005   تنفيذا لقرار اتخذته حكومة برئاسة ارييل شارون!

بين اليمين الإسرائيلي و"حماس"، تحولت غزّة إلى ضحية صدام بين فكرين متطرفين حصل التقاء بينهما في مرحلة معيّنة. كانت غزّة التي يوجد غاز في بحرها نقطة انطلاق لعودة الأمل. هل يمكن أن تعود إلى ذلك يوما؟

انتقلت غزّة في ظلّ “حماس” وتقاعس سلطة وطنيّة مترهلة على رأسها محمود عباس (أبو مازن) من عنوان للأمل… إلى مأساة يوميّة. لم يتردّد اليمين الإسرائيلي الذي كان يحلم في الماضي بزوال غزّة من الوجود في الانتقال إلى مرحلة استغلال “طوفان الأقصى” وما فعلته “حماس” يوم السابع من تشرين الأوّل – أكتوبر 2023، إلى محاولة إزالة القضيّة الفلسطينية من الوجود.

يختزل مأساة غزّة صدام بين مشروعين مستحيلين، هما مشروع “حماس” الذي نادى بفلسطين “وقفا إسلاميا من البحر إلى النهر” وبين مشروع اليمين الإسرائيلي الذي يرفض الاعتراف بوجود شعب فلسطيني موجود على أرض فلسطين. هناك ما بين سبعة وثمانية ملايين فلسطيني على أرض فلسطين التاريخية، داخل إسرائيل نفسها وفي الضفة الغربيّة والقدس… وغزّة. هل في الإمكان تذويب هؤلاء؟

ستستمر حرب غزّة. لن تتوقف إلّا في اليوم الذي لا يعود فيه ذلك التواطؤ القائم بين مشروعين مستحيلين. لم تستفق حكومة بنيامين نتانياهو على خطورة “حماس” إلّا بعد “طوفان الأقصى” ومقتل نحو 1200  يهودي كانوا في مستوطنات غلاف غزّة. قبل ذلك، كانت المساعدات الماليّة تأتي إلى “حماس” عن طريق مطار بن غوريون في تلّ أبيب. كانت “حماس” ضمانة لتكريس الانقسام الفلسطيني… كما كانت ضمانة لإفشال المشروع الوطني الفلسطيني الذي أقرّه المجلس الوطني الفلسطيني في تشرين الثاني – نوفمبر 1988 لدى انعقاده في الجزائر.

بين اليمين الإسرائيلي و”حماس”، تحولت غزّة إلى ضحية صدام بين فكرين متطرفين حصل التقاء بينهما في مرحلة معيّنة. كانت غزّة التي يوجد غاز في بحرها نقطة انطلاق لعودة الأمل. هل يمكن أن تعود إلى ذلك يوما؟ يمكن أن تعود في حال الغياب التام لـ”حماس” عسكريا وسياسيا… وفي حال اكتشفت إسرائيل أن لا مفرّ من العودة إلى السياسة وأن كلّ قنابل العالم لا تستطيع إلغاء الشعب الفلسطيني من الوجود!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

غزّة ضحية تواطؤ بين مشروعين مستحيلين غزّة ضحية تواطؤ بين مشروعين مستحيلين



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt