توقيت القاهرة المحلي 09:06:06 آخر تحديث
  مصر اليوم -

السياسة ليست فى الإعلام

  مصر اليوم -

السياسة ليست فى الإعلام

عمرو الشوبكي

حين نتصور أن النجاح السياسى هو أن نقول فى الإعلام كل يوم إننا انتصرنا وإننا عظماء وإن خصومنا إرهابيون وفشلة، وإننا قادرون على هزيمة الإرهاب، لأننا ندينه كل يوم إعلامياً، فإن هذا الصراخ مهما علا لن يعنى أننا انتصرنا عملياً فى هذه المعارك.

والحقيقة أن كل النظم السياسية تهتم بالإعلام. صحيح أن النظم الشمولية تعمل دائما على ترويضه أو ترهيبه، فى حين أن النظم الديمقراطية تضع له قواعد مهنية تضبط عمله وتحرره فى نفس الوقت من القيود السياسية والأمنية، إلا أن هذا لا يعنى أنه لا يتعرض فى أحيان كثيرة لمحاولات الترويض أو التوجيه بتأثير جماعات الضغط والمصالح، وتظل القواعد المهنية المنظمة لعمله بمثابة الضامن الأكبر الذى يحُول دون تبعيته الكاملة للمال والسلطة.

إن ما يجرى فى مصر على شاشات كثير من الفضائيات أمر غير متكرر فى أى بلد آخر، ولم نره فى بلادنا منذ عقود، فقد تحول النقاش السياسى إلى سجال بين إعلاميين، وتحول خلاف الأفكار والبرامج والرؤى الذى هو علامة (أو رغبة) تقدم أى أمة إلى حملات للتخوين والشتائم والمزايدات الهابطة تنال مسؤولاً حكومياً أو سياسياً معارضاً دون عرض لأى أفكار، مهما كانت بساطتها.

الموقف مثلاً من ثورة 25 يناير اشتعل بعد حكم براءة مبارك، فحتما هناك مؤيدون للثورة من القوى المدنية والتقدمية، وهناك معارضون من القوى المحافظة والتقليدية، وهؤلاء يفترض أنهم يمثلون قوى اجتماعية وسياسية، حتى لو لم تكن متبلورة فى أحزاب قوية، إلا أنها موجودة فى الشارع ووسط الناس، ومع ذلك لم نسمع صوتها فى وسائل الإعلام، إنما شاهدنا تلاسناً بين بعض الإعلاميين حول ثورة 25 يناير، مثلما نشاهد كل يوم تصريحات سطحية وأخرى كارثية وثالثة تمثل جرائم سب وقذف مكتملة الأركان، ومع ذلك لم يحاسب أحد على ما اقترف من «ذنوب هوائية».

إذا قارنت ما يجرى عندنا من «جرائم تليفزيونية» بما يجرى فى إعلام أى دولة ترغب فى أن تكون متقدمة فستجد أن الإعلام فى هذه البلدان ينقل أولًا ما يجرى، ثم يعلق ثانيًا عليه، ويعرض جدل السياسيين والفنانين والشعراء والرياضيين وغيرهم، ولا يتحول هو إلى متحدث باسمهم ونيابة عنهم، لنجد من يفتى فى السياسة والرياضة والفن، وحتى الطبيخ لساعات طويلة، أو يسب سياسيين دون أن يسمح لهم بالرد والتعليق، ودون أن يقرأ فى حياته كتاباً فى السياسة، واعتبر ذلك جزءاً من حرية الرأى والتعبير غير الموجودة فى أى بلد فى العالم.

إن القواعد المهنية التى تحكم عمل الإعلام ليست فقط حكرا على أوروبا وأمريكا، إنما تجدها أيضا فى الهند وماليزيا وتركيا وإندونيسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا، وهى كلها بلاد ليست أوروبية (باستثناء تركيا التى يمكن اعتبارها جزئيا أوروبية) ولا غربية الثقافة، ولكنها بلاد تحترم نفسها، وتحاول أن تؤسس طريقا لتقدمها، ولذا اعتبرت أن بها صراعاً حول قضايا وأفكار واجتهادات سياسية واقتصادية متنوعة، ولا تعيش على السجالات الرخيصة والشتائم المهينة وفواصل الردح التى باتت حدثا يوميا فى كثير من قنواتنا الفضائية.

هل هناك نقاش إعلامى من أى نوع عام حول السياسات العامة: أولويات التعليم، الصحة، الخدمات، المواصلات أم فقط إشارة محافظ الإسماعيلية أو مشاكل الألتراس مع الأهلى والزمالك وخناقات الإعلاميين فيما بينهم التى أصبحت مادة مكررة فى معظم وسائل الإعلام المصرية؟

لا يوجد صراع أفكار حول أولويات السياسة، لأنه من الأصل لا يوجد نقاش عام حول قضية واحدة تخص حاضر أو مستقبل هذا البلد، إنما ثرثرة واتهامات وتخوين وجمل وشعارات كبيرة أقرب لهتافات النظم الشمولية المنقرضة، ولكن لا نقاش جاداً فى الإعلام ولا فى الصحافة حول قضايا وليس مجرد عرض للنميمة اليومية والسجالات والاتهامات المتبادلة.

لن تتقدم مصر خطوة واحدة للأمام إلا إذا تعود المجتمع وشرائحه الأكثر تعلما على أن عنوان التقدم هو صراع بين أفكار وبدائل متعددة تقدم بشكل مبسط للرأى العام وليس هستيريا التحريض والسباب التى كرَّهت الناس فى السياسة والمشاركة فى الشأن العام.

إن مبالغات بعض الإعلاميين ومعاركهم الهوائية تذكرك بإعلام ما قبل يونيو 67 حين كان يهتف كل يوم بالانتصار، وكان الواقع يجرى بعكس ما يقول.

هزيمة الإخوان إعلامياً لا تعنى هزيمتهم فى الشارع ومواجهة التيارات السلفية وشتيمة الشباب الثورى فى الفضائيات لا تعنى غيابهم عن أرض الواقع أو نهايتهم، ومواجهة الإرهاب لن تكون فى التليفزيون، إنما بسياسات جديدة على أرض الواقع، فانتصارات الإعلام زائفة، وغالبا ما تعكس هزيمة فى الواقع، فاحذروا ما يجرى قبل فوات الأوان.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السياسة ليست فى الإعلام السياسة ليست فى الإعلام



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt