توقيت القاهرة المحلي 17:18:47 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هل مطلوب «هداية» الغرب؟

  مصر اليوم -

هل مطلوب «هداية» الغرب

بقلم:عمرو الشوبكي

أثارت بعض استعراضات افتتاحية الأولمبياد في العاصمة الفرنسية باريس انتقادات واسعة داخل فرنسا وخارجها، بعضها تعلق فيما اعتبر إسقاطاً مسيئاً على لوحة العشاء الأخير التي رسمها الفنان الإيطالي ليوناردو دا فينشي ويظهر فيها السيد المسيح، كما انتقد كثيرون في الشرق وخصوصاً في عالمنا العربي بعض الاستعراضات التي عرضت مشاهد قبول المثلية الجنسية، وفي كلتا الحالتين يمكن اعتبار هذا النقد مشروعاً ومنسجماً مع منظومة القيم السائدة في مختلف المجتمعات الشرقية.

إن رفض مجتمعاتنا التطبيع مع المثلية الجنسية طبيعي، لأن ثقافة هذه المجتمعات ومنظومة قيمها ترفض من يروجون لفكرة أنهم جنس ثالث جديد من حقهم أن يتزوجوا ويتبنوا أطفالاً لم يختاروا أن يكون «أبواهم» من نفس الجنس، وهو خيار رفضته بعض الدول الأوروبية ومعظم دول العالم.

كما رفضت مجتمعاتنا مسألة ازدراء الأديان وبشكل أصيل دون ادعاء، واعتدنا أن يكون هذا الازدراء موجهاً ضد الإسلام، ولكنه هذه المرة وجه ضد المسيحية رغم نفي القائمين على استعراض باريس وجود هذه النية وعدم اعتبار اللوحة محل الجدل لها علاقة بلوحة العشاء الأخير.

ولم تكن فرنسا تنتظر رد فعل مسيحيي العالم العربي على لوحة العشاء الأخير لتتأكد أن مسألة رفض المساس بالمقدسات الدينية هي قيمة موجودة لدى المسيحيين والمسلمين معاً، وأن ما يجب أن نقوم به ليس هداية الغرب «للطريق القويم»، إنما أن يضع ضمن منظومة قيمه الأساسية قيمة أخرى تتعلق باحترام الحضارات والثقافات الأخرى ما دامت لا تتعارض مع قيم إنسانية محل توافق من كل المجتمعات والثقافات، مثل رفض العنصرية وانتهاك حقوق الإنسان والتحريض على العنف تحت مسمى الخصوصية، ولكن هناك مكان لخصوصية ثقافية تتعلق برفض الإساءة للمقدسات الدينية أو رفض تقنين المثلية الجنسية وقبولها في المجال العام.

صحيح أن فرنسا تدين الإساءة للمؤمنين من أبناء الديانات المختلفة، فمثلاً الإساءة للسيد المسيح وللعقيدة المسيحية مقبول، لكن إهانة المسيحيين كأفراد أو مواطنين مدان قانوناً، ونفس الأمر ينسحب على باقي الديانات الأخرى. والسؤال هو كيف يمكن للعالم العربي أن يشتبك مع أوروبا، وتحديداً مع فرنسا، ونقول إن الإساءة للمقدسات يمثل أيضاً إساءة للأفراد، ولا يمكن القول إن الرسوم المسيئة للرسول الكريم مقبولة، وتكرار القول إن الإسلام دين يحرض على العنف لا يسيء للمسلمين أيضاً كأفراد.

إن مشكلة تعامل جانب من الرأي العام وكثير من رجال الدين في العالم العربي مع هذه التوجهات الغربية ليس في رفضها وإدانتها، فهو أمر طبيعي ومشروع، إنما في طريقة مواجهتها وذلك منذ نشر الرسوم المسيئة للرسول الكريم في أكثر من صحيفة أوروبية إلى الإساءة للسيد المسيح في أحد استعراضات أولمبياد باريس، حيث الاكتفاء بالإدانة والرفض ورفعت أحياناً دعوات مقاطعة البضائع الدنماركية تارة والفرنسية تارة أخرى أو الحديث عن مخاطر الاختراق الثقافي الغربي لحضارتنا، وأن مشهداً هنا أو لقطة هناك ستهدم حضارتنا الضاربة في جذور التاريخ، وستضعف إيمان الناس بعقيدتهم الإسلامية أو المسيحية، في حين أنه من المؤكد أن هذه العقائد راسخة في نفوس الناس ولن تهزها مثل هذه الأشياء.

وقد حاول بعض «الدعاة الجدد» وعدد من رجال الدين، عقب أي إساءة للإسلام أو عملية إرهابية تلصق أسبابها بالإسلام، الترويج لمقولة يجب أن نقنع الغرب أو على الأقل نشرح لهم «الإسلام الصحيح» وهو مفهوم ينم عن عدم فهم العقلية الغربية التي ليست على استعداد لمناقشة تعاليم الإسلام الصحيح ولا أي ديانة أخرى، إنما أن يلتزم فقط المؤمنون بهذا الدين بدستور البلد وقانونه.

إن المطلوب ليس «هداية الغرب» وإقناعه بما تمثله الأديان من قيم سامية أو الاكتفاء برفض أي إساءة أوروبية للمقدسات الدينية، لأن هذا الرفض لا يمثل الرسالة البديلة المطلوب تقديمها في مواجهة «بضاعة الغرب»، إنما مطلوب التأكيد على التنوع الحضاري واحترام ثقافة المجتمعات الأخرى.

إن النقاش العربي الغربي ودور كثير من الرموز الثقافية والدينية في منطقتنا يجب أن يتخلص من عقدة إننا الصح وهم الخطأ ما دمنا دخلنا في حوار مشترك، إنما يجب أن يكون على أرضية أن كلينا قد يكون على صواب، وأن القضية في قبول الاختلاف والتنوع في هذا العالم، وليس أن منظومة قيمنا يجب أن تعلو، إنما يجب أن تحترم، لأنها في الحقيقة هي الغالبة خارج المنظومة الحضارية الغربية، وأن احترام الثقافات الأخرى قد يفتح الباب أمام تجاوز التحيزات الغربية في السياسة والكيل بمكيالين ووجود نظرة عادلة تجاه مختلف الثقافات تحترم التنوع الحضاري في العالم وترفض حديث الأفضلية أو الاستعلاء من أي جانب.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل مطلوب «هداية» الغرب هل مطلوب «هداية» الغرب



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt