توقيت القاهرة المحلي 00:07:32 آخر تحديث
  مصر اليوم -

القادم من خارج المنظومة السائدة

  مصر اليوم -

القادم من خارج المنظومة السائدة

بقلم:عمرو الشوبكي

يعد نجاح زهران ممداني في انتخابات عمدة نيويورك نقطة تحول هامة في التاريخ السياسي الأميركي، ليس بالضرورة لأنه سينجح في إحداث تغيير جذري في السياسة الأميركية، فهو في النهاية عمدة مدينة مهما كان حجمها وتأثيرها لن تغير السياسة الأميركية، إنما في الدلالة الرمزية والثقافية والسياسية لهذا النجاح الذي لو تكرر في ولايات أخرى وبنفس مضمون الخطاب «الممداني» فإنه سيعني تحولاً كبيراً في النظام الأميركي.

والحقيقة أن نجاح ممداني أعاد فتح تساؤلات عديدة تتعلق بالأشخاص والأفكار والتيارات السياسية القادمة من خارج المنظومة السائدة في الدول الديمقراطية أو التي تحكمها دولة قانون، فأفكار ممداني ملهمة لقطاعات واسعة من الناس، وبخاصة الشباب وخطابه الاشتراكي أو التقدمي لم يركز على أفكار يسارية قديمة تتحدث عن اشتراكية بيروقراطية تحول الأفراد إلى مجرد «ترس» في ماكينة النظام القائم إنما هي اشتراكية معاشه أو اشتراكية المواطنين، التي أسهب فيها بالحديث عن مظاهر الثراء في المجتمع الأميركي وبخاصة «النيويوركي» من دون أن يعتبر قضيته إفقارهم أو التضييق عليهم إنما دعم الفئات الأكثر احتياجاً.

إن جوهر برنامجه الواعد (والذي اعتبره البعض حالماً) ركز على بدائل يقدمها لغالبية سكان نيويورك، فقال إنه ينوي تسيير حافلات مجانية وتقديم رعاية مجانية للأطفال، وقال إنه سيقيم محلات بقالة مملوكة للمدينة تبيع بضائعها بسعر مناسب، وأخيراً وعد أنه سيفرض ضريبة ثابتة بنسبة 2 في المائة على أغنى 1 في المائة من سكان نيويورك، أي من يتجاوز دخلهم مليون دولار سنوياً، مع ملاحظة أن ضرائب المدينة تساوي تقريباً بين من دخله 50 ألف دولار أو 50 مليون دولار، وأخيراً أشار إلى أنه سيجمد إيجارات المدينة، وهو قرار ليس سهل التنفيذ.

وقد نجح ممداني في جذب الجانب الأكبر من الطبقات الشعبية للتصويت له لأنه قدم برنامجاً بديلاً لما هو سائد وحلولاً لجانب من مشكلات المدينة، وهو ما جعله يبدو أنه نصير الفقراء والملونين والمهمشين أكثر منه عدو البيض والأغنياء.

والحقيقة هذا ما فعله مع القضية الفلسطينية، فلم يكن عدواً لليهود إنما نصيراً للضعفاء أي الطرف الفلسطيني، ورافضاً الإبادة الجماعية، وحين قال بجرأة إنه ينوي إلقاء القبض على بنيامين نتنياهو إذا زار نيويورك، ليس لأنه إسرائيلي إنما احتراماً للقانون الدولي ولقرار المحكمة الجنائية الدولية بتوقيفه، ولذا لم يكن غريباً أن يكون نحو 30 في المائة من سكان نيويورك اليهود صوتوا له.

ورغم أن برنامج ممداني ليس خارج القانون ولا الدستور وفيه جوانب عملية كثيرة وربما أقل بيروقراطية وجموداً من كثير من الأفكار الاشتراكية التي رفعها اليسار في القرن الماضي، ومع ذلك شكل تحدياً حقيقياً للمنظومة القائمة، وربما أكثر من التحديات التي أثارها دمج اليسار الثوري في المنظومة السياسية والقانونية الأوروبية، التي انفتحت لقبول الجديد، وفي الوقت نفسه نجحت في تحويل هذا اليسار من الأفكار الحالمة والثورية إلى يسار إصلاحي واجتماعي ديمقراطي. أفكار ممداني تواجهه منظومة حكم في أقصى اليمين، وليس فقط اليمين التقليدي، وأيضاً في ظل تصاعد الخطاب المعادي للهجرة والمهاجرين، والمشكك في ولاء الأميركيين من أصول مهاجرة وينظر إليهم باعتبارهم «أقل أميركية» من الأميركيين البيض.

إن التحدي الذي يمثله العمدة الشاب لا يتركز فقط أو أساساً في أفكاره ولا في جرأه برنامجه إنما في كون هذه الأفكار التي يقول جانباً كبيراً منها الزعيم الديمقراطي بيرني ساندر، وتُقلِقُ المنظومة الرأسمالية ويكرهها ترمب، مثَّلت قلقاً مضاعفاً مع ممداني لأنها جاءت على يد مهاجر، وأميركي منذ 8 سنوات فقط ونجح نجاحاً لافتاً.

الانقسام الذي تشهده أميركا ومعظم المجتمعات الغربية لم يعد فقط بين الأفكار الليبرالية والمحافظة (رغم أنه موجود وسيبقى) إنما أيضاً يتعلق بالموقف من الهجرة والمهاجرين ومدى قبول التنوع الثقافي والحضاري والموقف من الأميركيين من أصول مكسيكية، أو عربية، أو مسلمة، أو أفريقية، لأن موقف اليمين الشعبوي المتطرف ليس فقط موقفاً من الهجرة والمهاجرين، إنما موقف من الأميركيين من أصول «غير بيضاء»، أي إنه يتعلق بدولة القانون والمساواة والعدالة، وهي قضايا تمثل صلب نجاح النموذج الأميركي.

نجاح ممداني لن يتوقف على أصوله العرقية والدينية إنما في قدرته على تنفيذ برنامجه ونجاحه في الواقع لأن النموذج الأميركي نجح في اختبار ممداني وقبل «أهل نيويورك» الرجل بصرف النظر عن أصوله الدينية والعرقية، وسجلوا نقطة مهمة في مواجهة اليمين المتطرف، وبهذا قدموا رسالة ملهمة لكثير من المجتمعات بأنه يجب ألّا تعطل المواقف المتعصبة والأحكام المسبقة فرص نجاح «أي ممداني»، لأنه لو نجح في منصبه الجديد فسيتكرر في أماكن كثيرة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

القادم من خارج المنظومة السائدة القادم من خارج المنظومة السائدة



GMT 06:11 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

تفاءلوا

GMT 06:09 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

السّعودية وفنّ السّياسة والتَّدبير

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

اتفاق الستين يوماً واللايقين السياسي

GMT 06:04 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

كيف نجحت الصين في إدارة أزمة النفط؟

GMT 06:02 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

عن إيران التي تتغير

GMT 05:59 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

أزمة «الدفاع» البريطانية

GMT 05:56 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

باكستان الجديدة

GMT 05:53 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

ما يخفيه الخبر العاجل

صبا مبارك تتألق بإطلالات عصرية راقية تواكب نجاح الفني

أبوظبي ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 23:53 2013 الخميس ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

إكسسوارات تضفي أناقة وتميُّزًا على مظهرك

GMT 20:04 2019 الثلاثاء ,04 حزيران / يونيو

قرص واحد "يطيل عمر" مرضى سرطان البروستات

GMT 07:05 2021 الأحد ,31 كانون الثاني / يناير

شكري يستقبل رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي الأحد

GMT 00:39 2021 الإثنين ,18 كانون الثاني / يناير

هنا الزاهد وزوجة كريم فهمي تثيران الجدل بفساتين قصيرة

GMT 19:10 2020 الثلاثاء ,03 آذار/ مارس

روبي تشاهد العرض المسرحي "علاء الدين"

GMT 00:00 2019 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

رمضان صبحي يؤجل إعلان مصيره مع الأهلي

GMT 08:45 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

"أبل" تُطلق جهاز "Homepod Mini" و3 هواتف جديدة

GMT 07:42 2018 الجمعة ,31 آب / أغسطس

كشف غموض فتاة توفى زوجها بسببها في تكساس
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt