توقيت القاهرة المحلي 17:22:54 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ما بعد الفعل الأميركي

  مصر اليوم -

ما بعد الفعل الأميركي

بقلم:عمرو الشوبكي

لم يكن خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من مخبئه المحصَّن على يد القوات الأميركية هو الفعل الأول، ولن يكون الأخير، الذي تقوم به واشنطن تجاه من عدَّتهم رؤساء مارقين نالوا لائحة اتهام أميركية طويلة، بدأت في نهايات القرن الماضي مع صدام حسين؛ واتُّهم بأنه يمتلك أسلحة كيماوية، وانتهت مع مادورو، واتُّهم بتجارة المخدرات، وقبلهما كانت هناك «أفعال أخرى» ضد حكم «طالبان» في أفغانستان، ومع مانويل نورييغا في بنما 1989، وغيرهم الكثير.

لقد نجحت الولايات المتحدة في تحقيق الهدف الأول من غزوها لهذه البلدان؛ وهو إسقاط النظام المارق أو القبض على الرئيس المغضوب عليه، ولكنه لم يعنِ أنها جلبت الاستقرار أو أسَّست لبديل أفضل لحكم هذا البلد أو ذاك.

من المؤكد أن قيام إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإلقاء القبض على رئيس دولة أخرى ارتكب من الأخطاء الكثير، وتحويله إلى المحاكمة في نيويورك، يمثلان انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي ويكرسان هيمنة فلسفة القوة الأميركية - الإسرائيلية على النظام الدولي على حساب معاني احترام القانون ومؤسسات الشرعية الدولية، إلا إن المشكلة تكمن فيما «بعد الفعل»، وكيف سيدار بلد مثل فنزويلا؟ وهل ستتعلم الولايات المتحدة من الدروس السابقة وتكتفي ببريق «الفعل الاستعراضي»، واقتياد رئيس دولة من مخبئه المحصن إلى أميركا، وتدير البلد من بُعد، وتجذب نائبة الرئيس الفنزويلي لتوجهاتها، وتحصل على النفط، وتقضي على عصابات المخدرات؟

يقيناً الأداء الأميركي فيما بعد الفعل في حالة فنزويلا يختلف عن تجارب سابقة، خصوصاً بلدان الشرق الأوسط، ولكنه أيضاً لا يخلو من استعراض ومن تركيز على «الفعل الأوَّلي» لا على تبعاته ونتائجه.

لقد استهدفت أميركا نظماً بعينها وفق معاييرها وحساباتها الخاصة، وليس بسبب انتهاك القانون أو ارتكاب هذه النظم جرائم تتطلّب محاسبتها أو تدخّلها الخشن، فهناك نظم استبدادية تدعمها أميركا وهناك أخرى ترفضها، ولكنّ تدخّلها بهذا الشكل الفج عادةً لا ينجح إلا مع النظم الضعيفة والمنقسم شعبها حول شرعية الحكم القائم وليس مجرد خلاف سياسي معه.

إن الرئيس مادورو فاقد لجانب من شرعيته الداخلية والخارجية منذ أن أجرى انتخابات مشكوكاً في نزاهتها عامي 2019 و2024، ولم يعترف بنتائجها معظم دول العالم بما فيها دول من أميركا الجنوبية ليست معادية للتجربة الفنزويلية ورئيسها، وهذه كلها أسباب سهَّلت من نجاح «الفعل الأميركي»، ولكن لا يمكن القول إنها السبب الأساسي وراءه، فهناك المصالح الأميركية في ثوبها «الترمبي» الجديد، وهناك المنظومة الأميركية بمعناها السياسي والاقتصادي وأُضيفت إليها مؤخراً مقولة «حب ترمب» وتبجيله، التي ترغب واشنطن في فرضها على الجميع، خصوصاً الدول الضعيفة أو تلك الواقعة فيما ما زالت تعدها «حديقتها الخلفية» في أميركا الجنوبية.

ومع ذلك فإن الفعل الأميركي حتى هذه اللحظة ظل مختلفاً عمَّا جرى في بلدان عربية وإسلامية دفعت ثمناً باهظاً لهذه «الأفعال التدخلية»، وهو ما قاله وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، بشكل واضح من أن «فنزويلا ليست دولة شرق أوسطية»، وأن التغيير لن يكون كاملاً، وسيكون من داخل النظام حتى ولو لفترة محدودة. وقال أيضاً: «إنها ليست العراق وأفغانستان وليبيا، وإنها في نصف الكرة الغربي، وهي دولة غنية جداً، ومشكلتنا كانت مع رئيسها الذي تقرَّب من إيران و(حزب الله) وسمح لعصابات تهريب المخدرات بالعمل بحرّية، وترك الملايين يهاجرون خارج بلده»، ولم يتحدث الوزير عن «فوضى خلّاقة» من أجل نشر الديمقراطية، كما قالت كونداليزا رايس، عن مبررات الغزو الأميركي للعراق.

إن الفعل الأميركي في فنزويلا على «مقاس كاراكاس»، ولا يمكن القول إنه هو نفسه الذي حدث عقب غزو العراق في 2003 وإسقاط النظام والدولة بالقوة المسلحة، وقبلها غزو أفغانستان وإسقاط حكم «طالبان» واحتلالها لنحو 20 عاماً فشل في هندسة الدولة والمجتمع على المقاس الأميركي، وعادت حركة «طالبان» مرة أخرى لحكم البلاد.

الفعل الأميركي في فنزويلا قدَّم حسابات مختلفة عن التجارب السابقة؛ فقد اختطف الرئيس وأبقى نائبته ومنظومته السياسية تحكم البلاد بصورة محسّنة عمَّا سبق، فأفرجت نائبة مادورو عن معتقلين سياسيين، وأعطت نفطاً لشركات أميركية، ووعدت بتقليص علاقتها التجارية مع روسيا والصين وإيران، وقالت إنها ستحارب تجارة المخدرات، ومع ذلك فإن الاحتجاجات ضد خطف الرئيس مستمرة، وفرص قبول أغلب الفنزويليين بحكم مَن تدعمهم أميركا تقلصت بصورة كبيرة، بما يعني أن الفعل الأميركي عرف أن إسقاط أي منظومة حكم من دون وجود بديل سياسي وأمني متوافَق عليه من أغلب الشعب نتائجه في الواقع ستكون كارثية، وبالتالي أصبح في فنزويلا مجرد فعل استعراضي أخاف البعض ولكنه من حيث المضمون أبقى نفس منظومة الحكم القديمة مع بعض التحسينات.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ما بعد الفعل الأميركي ما بعد الفعل الأميركي



GMT 09:02 2026 الخميس ,12 آذار/ مارس

تسمية جديدة

GMT 08:34 2026 الخميس ,12 آذار/ مارس

الصداقة عند الفراعنة

GMT 08:31 2026 الخميس ,12 آذار/ مارس

موت الأخلاق

GMT 06:47 2026 الخميس ,12 آذار/ مارس

حديث المضيق

GMT 06:40 2026 الخميس ,12 آذار/ مارس

من الإسقاط إلى الإضعاف

GMT 06:35 2026 الخميس ,12 آذار/ مارس

الجبهة الداخلية

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - طرق سريعة وآمنة لإنقاص الوزن حسب خبراء التغذية

GMT 12:33 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

السيسي يؤدي صلاة الجمعة بمسجد المشير طنطاوي

GMT 01:54 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

أغنياء المدينة ومدارس الفقراء

GMT 20:53 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

أجاج يؤكد أن السيارات الكهربائية ستتفوق على فورمولا 1

GMT 13:21 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الأهلي يتعاقد مع "فلافيو" كوم حمادة 5 سنوات

GMT 05:50 2024 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

تسلا تنشر صور للشاحنة سايبرتراك باختبار الشتاء

GMT 14:18 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج العذراء الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 03:12 2020 الأربعاء ,08 كانون الثاني / يناير

أول تحرك من ترامب عقب استهداف قاعدة "عين الأسد" في العراق

GMT 04:07 2020 الأحد ,05 كانون الثاني / يناير

مصرع عروسين في حادث مروع في المنوفية

GMT 14:00 2017 الأربعاء ,20 أيلول / سبتمبر

امرأة تذبح زوجها من أجل عشيقها في قنا

GMT 14:24 2021 الثلاثاء ,12 كانون الثاني / يناير

وزير الداخلية يصدر حركة تنقلات بين قيادات الوزارة

GMT 05:44 2019 الجمعة ,04 كانون الثاني / يناير

فرنسا ترد على مزاعم روسيا بشأن أكبر معمرة في التاريخ

GMT 11:13 2017 الخميس ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

بريشة : اسامة حجاج

GMT 21:12 2024 الثلاثاء ,10 أيلول / سبتمبر

هدى المفتي تكشف تفاصيل شخصيتها في "مطعم الحبايب"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt