بقلم:عمرو الشوبكي
منذ انتخاب عمدة مدينة سان دونى (ثانى أكبر المدن بعد باريس فى منطقة «إيل دى فرانس») «بالى بجايوكا» الفرنسى من أصول إفريقية، وهو يتعرّض لحملة إعلامية، تابعتُ جانبا منها وصُدمت أنها جرت فى دولة قانون وفى بلد ديمقراطى مثل فرنسا، فَكَم التحريض والأكاذيب وخطاب الكراهية الذى قيل بحق الرجل مروع، وظننت أننا فى أحد بلدان العالم الثالث حين تقدم بعض نظمها على تلفيق التهم والأكاذيب بحق معارضيها. ولأن هذه الحملات كانت فى فرنسا، فهذا سمح للرجل بأن يرد ويجد منصات إعلامية وصحفية ترد على التهم الكاذبة التى قالها الإعلام العنصرى.
قصة السيد بالى ملهمة، فهو يعيش فى مدينة نحو أكثر من ثلثيها فرنسيون من أصول مهاجرة وبالتالى ينتمون لما يعرف بـ«فرنسا الجديدة» (Nouvelle France)؛ أى التى تضم «تشكيلة» من أبناء المهاجرين ومن الفرنسيين ذوى الأصول البيضاء كصورة جديدة تختلف عن فرنسا البيضاء ذات اللون والديانة والثقافة الواحدة.
تعرّض الرجل- لمجرد أن هتف أنصاره، عقب إعلان فوزه، بشعار شهير يردد فى المظاهرات الداعمة لفلسطين: «نحن جميعا أطفال غزة»- لحملة هجوم وشتائم وصلت إلى حد التهديد بالقتل، أما الهجوم المحترم والمهذب فقيل فيه: ما علاقتك بغزة؟، هل انتُخبت عمدة لها أم لسان دونى؟، فرد الرجل: طبعا أنا عمدة سان دونى وفخور أنى انتُخبت عمدة لها، لكننا مدينة نؤمن بالتضامن الإنسانى مع المضطهدين ويعيش فيها مختلف الأديان والأعراق فى إطار الدستور والقانون. العمدة الجديد فى الحقيقة «كاريزما» وشخصية شعبية وسياسى من طراز رفيع.. ولذا واجه بثبات حملات التشوية، ودعا، أمس الأول، إلى مظاهرة «ضد الفاشية» والعنصرية والكراهية شارك فيها عشرات الآلاف فى مشهد دَلَّ على حيوية المجتمع، وصعوبة أن تكون «تجليات تيار ترامب» عبر العالم هى تجليات التيار الوحيد أو الغالب، حتى لو انتصر فى معركة فهو لن ينتصر فى الحرب أو يستمر مسيطرا لفترة طويلة.
الأمر اللافت أن متظاهرى سان دونى رددوا جملا قالها زعماء فى العالم حاربوا خطاب الكراهية والعنصرية، فذكروا مقولة للأمريكى مالكوم X الذى دافع عن حقوق السود وناضل ضد العنصرية قائلا: «إذا غابت عنكم اليقظة، فستعيد وسائل الإعلام تشكيل وعيكم. وستزرع فيكم كراهية المظلوم وتدفعكم إلى التعاطف مع الظالم».
أما زعيم الحزب اليسارى (فرنسا الأبية)، الذى ينتمى له عمدة سان دونى، وهو جان لوك ميلنشون، فقال: «تم إفساد فرحتنا بسبب موجة العنصرية المقيتة القادمة من النخب السياسية والإعلامية، التى أظهرت ازدراءً بلا حدود تجاه جزء من شعبنا». ستبقى معركة فرنسا وأوروبا فى السنوات القادمة بين مشروعين؛ أحدهما يكره الأوروبيين من أصول مهاجرة، وآخر يحترم حقوقهم ويتعامل معهم على قدم المساواة.. وإذا انتصر التيار الثانى، فإن أحرار العالم كله سيجدون لهم صديقا قويا فى أوروبا.