توقيت القاهرة المحلي 12:16:37 آخر تحديث
  مصر اليوم -

إعادة الاعتبار للمقاومة السلمية

  مصر اليوم -

إعادة الاعتبار للمقاومة السلمية

بقلم:عمرو الشوبكي

حصيلة ما جرى في قطاع غزة على مدار أكثر من 15 شهراً، ثقيلة، سواء ما يتعلق بأعداد الضحايا الأبرياء الذين سقطوا من الجانب الفلسطيني، أو الدمار الذي حل بالقطاع وبات يحتاج إلى سنوات من إعادة الإعمار.

والحقيقة أن الحديث عن صمود المقاومة وحقها في حمل السلاح في وجه احتلال يعدُّ المسؤول الأول عن إجهاض حل الدولتين بسبب ممارساته الاستيطانية في الضفة قبل عدوانه على غزة، لا يمنع من ضرورة إعادة تقييم خيار المقاومة المسلحة بعد ما جرى في القطاع ومن قبل في لبنان ليس بغرض شطبه من قائمة خيارات الشعب الفلسطيني، وإنما بوصفه وسيلة اضطرارية يمكن اللجوء إليها في حال فشلت كل صور المقاومة السلمية والشعبية، وليس هدفاً في ذاته تكون حصيلته الحديث عن بطولات المقاومين والشهداء وليس تحقيق التحرر والاستقلال.

والحقيقة أن السجال الذي عرفته المنطقة العربية بين خيار المقاومة المسلحة والمقاومة السلمية لم يكن مجرد خلاف بين تيارين داخل الساحة الفلسطينية كما جرى في عهد ياسر عرفات بين تيار «فتح» الذي دعم مسار أوسلو والتسوية السلمية وبين «الجبهة الشعبية» وحلفائها الذين عارضوها من داخل منظمة التحرير، إنما أصبح هناك بُعد إقليمي آخر عقّد من طبيعة هذا الخلاف نتيجة دور إيران في دعم «حماس» وخيار المقاومة المسلحة بصورة ربطت جانباً من خياراته بحسابات إقليمية حوَّلته إلى صراع بين محور الاعتدال ومحور الممانعة، وليس إلى نقاش فلسطيني داخلي حول الوسيلة الأنجح لمقاومة الاحتلال...

والحقيقة أن حرب غزة بقدر ما تركت من آلام وجراح كثيرة وخلَّفت قتلى ومصابين بعشرات الآلاف، إلا أنها أعادت إحياء القضية الفلسطينية من جديد في نفوس العرب والعالم، وأيقظت أصوات الضمير العالمية في مواجهة جرائم الإبادة الجماعية، كما شهدنا تحركات مُلهمة لدولة غير عربية مثل جنوب أفريقيا حين ذهبت إلى محكمة العدل الدولية تتهم إسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية، إذ طالبت المحكمة بإجراءات لحماية الشعب الفلسطيني لم تحترمها إسرائيل، وعلى أثرها أصدرت المحكمة الجنائية الدولية قراراً بملاحقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، بتهم ارتكاب جرائم حرب، كما قادت السعودية تحالفاً دولياً من أجل قيام دولة فلسطينية، وأعلنت دول أوروبية مهمة الاعتراف بالدولة الفلسطينية وفتحت أبواباً كثيرة للنضال السلمي والقانوني ضد دولة الاحتلال.

حصيلة حرب غزة لم تقوِّ محور المقاومة المسلحة، فقد فقدت «حماس» الجانب الأكبر من قدرتها العسكرية، وفقد «حزب الله» جانباً كبيراً من القدرات ذاتها، كما لم يعد باستطاعة التنظيمين أن يحصلا على السلاح والدعم المادي كما كان يحدث في الماضي حين كانت الحدود اللبنانية مفتوحة لتهريب شحنات السلاح والأموال إلى «حزب الله»، حيث لعب النظام السوري الساقط دور المَعْبر في إيصال السلاح والعتاد للحزب مقابل أن يحمي أركان حكمه، وبات هناك نظام جديد لا يلعب هذا الدور.

إن إعادة الاعتبار للمقاومة السلمية ليس فقط خياراً فكرياً وسياسياً، إنما هي حصيلة ما أنتجته حرب غزة التي لم تؤدِّ إلى إضعاف القدرات العسكرية لإسرائيل ولا صعود القدرات العسكرية لـ«حماس» أو «حزب الله» أو ردع إيران لإسرائيل بالقوة المسلحة، بل كانت حصيلتها إضعاف تنظيمات المقاومة المسلحة وقدراتها، وفي المقابل فقد أسفرت الحرب عن فتح أبواب حقيقية لصعود التيارات المدنية السلمية المناصرة للقضية الفلسطينية في العالم، وهو أمر يتطلب نُخباً وقيادات فلسطينية جديدة تتجاوز خطاب «حماس» والسلطة على السواء، وتكون قادرة على التفاعل مع هذه التيارات والمشاركة في الضغوط والحملات القانونية على دولة الاحتلال حتى تنصاع لقرارات الشرعية الدولية وتقبل بحل الدولتين.

من حق أنصار المقاومة السلمية أن يقولوا إنهم كانوا منذ البداية «أصح»؛ فبفضل انتفاضتهم المدنية والشعبية ومقاومتهم السلمية الملهمة في انتفاضة الحجارة 1987، فُتح الباب أمام «مسار أوسلو» للتسوية السلمية الذي أجهضته إسرائيل بالاستيطان في الضفة الغربية وبحصار قطاع غزة، وإن المقاومة المسلحة لم تنتصر على إسرائيل وإنما أعادتنا مرة أخرى لمسار المقاومة السلمية.

وإذا كان هذا الأمر صحيحاً، فإنه من المؤكد أن صمود المقاومة المسلحة والتضحيات الاستثنائية التي دفعها الشعب الفلسطيني كانا الطريق لإعادة الاعتبار للمقاومة السلمية، وأن الوضع الفلسطيني الحالي لم يعد يحتمل سجال المقاومين والمعتدلين وانقسام «فتح» و«حماس»، إنما ما يجب هو استدعاء ما أنتجه الواقع الذي يقول إن فصائل المقاومة المسلحة تراجعت قدراتها وخياراتها، وتيارات المقاومة السلمية تصاعد حضورها وتأثيرها وأصبح لديها رصيد عربي وعالمي كبير وساحة دولية متقبلة لأفكارها وخطابها، وحان الوقت لكي تُترجَم الفرصة إلى تحرك وخطة عمل، وليس الغوص في النقاش النظري أو السجال الفكري عن أيِّ الخيارين أصوب لتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إعادة الاعتبار للمقاومة السلمية إعادة الاعتبار للمقاومة السلمية



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt