توقيت القاهرة المحلي 13:22:22 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الكرّ والفرّ في التفاوض أيضاً

  مصر اليوم -

الكرّ والفرّ في التفاوض أيضاً

بقلم:عمرو الشوبكي

الكرّ والفرّ ليس فقط في ميدان المعارك ولا الصراعات السياسية، إنما أيضاً في ساحة التفاوض والتسويات، وإن رحلة التفاوض بين «حماس» وإسرائيل امتدت منذ الأشهر الأولى التي تلت عملية 7 أكتوبر (تشرين الأول) عبر الوسيطين المصري والقطري، وأسفرت عن اتفاق هدنة يتيم بين «حماس» وإسرائيل لم تكمله الأخيرة، واستأنفت بعدها القتال حتى اللحظة رغم قبول «حماس» لمقترح المبعوث الأميركي ويتكوف الذي تجاهلته إسرائيل حتى الآن.

والحقيقة أن «حماس» وقعت طوال عملية التفاوض في عدة أخطاء، ليس بينها أنها كانت متشددة في مواجهة «مرونة إسرائيلية» إنما العكس، فإن «حماس» لم تتعامل مع التطرف (وليس فقط التشدد) الإسرائيلي بوصفه مُعطى يجب أن تؤسس عليه كل مواقفها، وليس بوصفه موقفاً قابلاً للتغيير في ظل المعطيات الحالية.

إن مفارقة رفض «حماس» اتفاق الهدنة وفق مقترح المبعوث الأميركي، ثم قبوله، ثم تجاهل إسرائيل الرد على هذه الموافقة التي قدمها الوسطاء يدل على أن هناك مشكلة في فهم «حماس» لقدراتها ولطبيعة المفاوض الإسرائيلي، فقد ظلت أسيرة تصوراتها الآيديولوجية بصرف النظر عن توازنات القوى وحقيقة الموقف العالمي، وتصورت أنها ستبقى بالشروط نفسها التي كانت موجودة قبل 7 أكتوبر، وهذا الأمر بالقطع مستحيل.

السؤال الذي يطرح نفسه، ما الذي جعل «حماس» ترفض مقترح ويتكوف الشهر الماضي، وحمّل الشعب الفلسطيني مزيداً من الضحايا، وسهّل عملية احتلال مدينة غزة؟ هناك من سيعدّ أنه لا توجد ضمانة بأن قبول «حماس» لاتفاق الهدنة فور طرحه سيلزم إسرائيل بأي شيء وهو صحيح، ولكنه سيصعب مهمتها في رفضه، لأن الرئيس الأميركي سيعد رفض مقترح مبعوثه أنه رفض لقراره الشخصي، وربما يمارس ضغوطاً على رئيس الحكومة الإسرائيلية لقبول الهدنة الجزئية.

لم تعد «حماس» تمتلك أوراق قوة في يدها إلا الرهائن، فغابت تقريباً قدراتها العسكرية، ولم تعد قادرة على ردع أو إيلام إسرائيل، كما أنها على المستوى السياسي معزولة عن الحراك الذي يجري في دول العالم ضد الجرائم الإسرائيلية، على خلاف تجارب الفيتناميين، وجبهة التحرير الجزائرية، والمؤتمر الوطني الأفريقي الذين امتلكوا جميعاً أوراق ضغط تخصهم وتخص داعميهم أثناء التفاوض مع محتليهم، في حين أنه في حالة «حماس»، فإن معظم الأوراق التي تضغط بها على إسرائيل في مفاوضات الهدنة من خارجها.

إن التشدد في التفاوض دون امتلاك أوراق ضغط قوية سيخسرك وسيجعلك في كل مرة تقبل بأقل مما طرح عليك في المرة السابقة، وإن إعلان انتهاء هذه الجولة من الحرب كان يجب أن يتم منذ بدايات العام، لأن سلاح «حماس» قد دمر معظمه، وقُتل معظم قادتها وكثير من عناصرها، وإن التعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية وصل لحدوده القصوى، ونسف جانباً مهماً من الأكاذيب الإسرائيلية، وبالتالي فإن استمرار حرب لا توجد فيها مقاومة ولا قدرة على المقاومة، إنما قتل متعمد للمدنيين والأطفال، خطأ فادح.

إن التأخر في الاعتراف بحصيلة هذه الحرب لن ينصر المقاومة مهما كانت صلابة عناصرها وشجاعتهم ونبل مقصدهم، لأنها لم تعد هناك أي أوراق ضغط يمكن أن تضاف لصالح «حماس»، إنما بات أقصى ما يمكن أن تصل إليه هو أساساً بفعل تدخلات خارجية، وسيقتصر على عملية تبادل أسرى لن تؤدي إلى بقاء «حماس» بصفتها تنظيماً مسلحاً أو إدارة حكم في غزة، ولا لجم السياسات الإسرائيلية الاستيطانية، إنما إطلاق سراح أسرى فلسطينيين من السجون الإسرائيلية، وإنقاذ حياة مئات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين الذين باتوا مهددين بالقتل والجوع بسبب استمرار الاعتداءات الإسرائيلية.

إذا اقتنعت «حماس» بأن معارك المقاومة في كل تجارب العالم ليست صفرية، أو أن قبولها بخسارة معركة لا يعني خسارة «القضية العادلة»، وأن المفاوضات الحالية لا تمتلك فيها أي أوراق ضغط من داخلها إلا ورقة الأسرى (التي تتراجع أهميتها كل يوم)، فإن مشاكل إسرائيل ستزيد عقب وقف الحرب لأنها ستواجه عالماً أصبح جانب كبير من رأيه العام رافضاً للجرائم التي ترتكبها، كما ظهرت نخب جديدة تحاول أن تجد لها مكاناً في مواجهة النخب المهيمنة، سياسياً واقتصادياً، الداعمة لإسرائيل، كما أن التحرك السعودي الفرنسي من أجل الاعتراف بالدولة الفلسطينية ومعهما عشرات الدول سيمثل أيضاً ورقة ضغط على الاحتلال الإسرائيلي.

إن المفاوضات الحالية هي «مُسكّن» لوقف المجازر والمجاعة ولن تكون تسوية عادلة، وإن رفض «حماس» الأول لورقة ويتكوف سهّل مهمة إسرائيل في القتل والتجويع والاحتلال، في حين أن المطلوب تصعيب مهمتها، وجعل هناك تكلفة أكبر لهذه الجرائم، وتفكيك الحصانة الاستثنائية التي تتمتع بها، وجعلتها فوق القانون والمحاسبة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الكرّ والفرّ في التفاوض أيضاً الكرّ والفرّ في التفاوض أيضاً



GMT 06:11 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

تفاءلوا

GMT 06:09 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

السّعودية وفنّ السّياسة والتَّدبير

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

اتفاق الستين يوماً واللايقين السياسي

GMT 06:04 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

كيف نجحت الصين في إدارة أزمة النفط؟

GMT 06:02 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

عن إيران التي تتغير

GMT 05:59 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

أزمة «الدفاع» البريطانية

GMT 05:56 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

باكستان الجديدة

GMT 05:53 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

ما يخفيه الخبر العاجل

صبا مبارك تتألق بإطلالات عصرية راقية تواكب نجاح الفني

أبوظبي ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 23:53 2013 الخميس ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

إكسسوارات تضفي أناقة وتميُّزًا على مظهرك

GMT 20:04 2019 الثلاثاء ,04 حزيران / يونيو

قرص واحد "يطيل عمر" مرضى سرطان البروستات

GMT 07:05 2021 الأحد ,31 كانون الثاني / يناير

شكري يستقبل رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي الأحد

GMT 00:39 2021 الإثنين ,18 كانون الثاني / يناير

هنا الزاهد وزوجة كريم فهمي تثيران الجدل بفساتين قصيرة

GMT 19:10 2020 الثلاثاء ,03 آذار/ مارس

روبي تشاهد العرض المسرحي "علاء الدين"

GMT 00:00 2019 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

رمضان صبحي يؤجل إعلان مصيره مع الأهلي

GMT 08:45 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

"أبل" تُطلق جهاز "Homepod Mini" و3 هواتف جديدة

GMT 07:42 2018 الجمعة ,31 آب / أغسطس

كشف غموض فتاة توفى زوجها بسببها في تكساس
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt