توقيت القاهرة المحلي 22:28:03 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الكرّ والفرّ في التفاوض أيضاً

  مصر اليوم -

الكرّ والفرّ في التفاوض أيضاً

بقلم:عمرو الشوبكي

الكرّ والفرّ ليس فقط في ميدان المعارك ولا الصراعات السياسية، إنما أيضاً في ساحة التفاوض والتسويات، وإن رحلة التفاوض بين «حماس» وإسرائيل امتدت منذ الأشهر الأولى التي تلت عملية 7 أكتوبر (تشرين الأول) عبر الوسيطين المصري والقطري، وأسفرت عن اتفاق هدنة يتيم بين «حماس» وإسرائيل لم تكمله الأخيرة، واستأنفت بعدها القتال حتى اللحظة رغم قبول «حماس» لمقترح المبعوث الأميركي ويتكوف الذي تجاهلته إسرائيل حتى الآن.

والحقيقة أن «حماس» وقعت طوال عملية التفاوض في عدة أخطاء، ليس بينها أنها كانت متشددة في مواجهة «مرونة إسرائيلية» إنما العكس، فإن «حماس» لم تتعامل مع التطرف (وليس فقط التشدد) الإسرائيلي بوصفه مُعطى يجب أن تؤسس عليه كل مواقفها، وليس بوصفه موقفاً قابلاً للتغيير في ظل المعطيات الحالية.

إن مفارقة رفض «حماس» اتفاق الهدنة وفق مقترح المبعوث الأميركي، ثم قبوله، ثم تجاهل إسرائيل الرد على هذه الموافقة التي قدمها الوسطاء يدل على أن هناك مشكلة في فهم «حماس» لقدراتها ولطبيعة المفاوض الإسرائيلي، فقد ظلت أسيرة تصوراتها الآيديولوجية بصرف النظر عن توازنات القوى وحقيقة الموقف العالمي، وتصورت أنها ستبقى بالشروط نفسها التي كانت موجودة قبل 7 أكتوبر، وهذا الأمر بالقطع مستحيل.

السؤال الذي يطرح نفسه، ما الذي جعل «حماس» ترفض مقترح ويتكوف الشهر الماضي، وحمّل الشعب الفلسطيني مزيداً من الضحايا، وسهّل عملية احتلال مدينة غزة؟ هناك من سيعدّ أنه لا توجد ضمانة بأن قبول «حماس» لاتفاق الهدنة فور طرحه سيلزم إسرائيل بأي شيء وهو صحيح، ولكنه سيصعب مهمتها في رفضه، لأن الرئيس الأميركي سيعد رفض مقترح مبعوثه أنه رفض لقراره الشخصي، وربما يمارس ضغوطاً على رئيس الحكومة الإسرائيلية لقبول الهدنة الجزئية.

لم تعد «حماس» تمتلك أوراق قوة في يدها إلا الرهائن، فغابت تقريباً قدراتها العسكرية، ولم تعد قادرة على ردع أو إيلام إسرائيل، كما أنها على المستوى السياسي معزولة عن الحراك الذي يجري في دول العالم ضد الجرائم الإسرائيلية، على خلاف تجارب الفيتناميين، وجبهة التحرير الجزائرية، والمؤتمر الوطني الأفريقي الذين امتلكوا جميعاً أوراق ضغط تخصهم وتخص داعميهم أثناء التفاوض مع محتليهم، في حين أنه في حالة «حماس»، فإن معظم الأوراق التي تضغط بها على إسرائيل في مفاوضات الهدنة من خارجها.

إن التشدد في التفاوض دون امتلاك أوراق ضغط قوية سيخسرك وسيجعلك في كل مرة تقبل بأقل مما طرح عليك في المرة السابقة، وإن إعلان انتهاء هذه الجولة من الحرب كان يجب أن يتم منذ بدايات العام، لأن سلاح «حماس» قد دمر معظمه، وقُتل معظم قادتها وكثير من عناصرها، وإن التعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية وصل لحدوده القصوى، ونسف جانباً مهماً من الأكاذيب الإسرائيلية، وبالتالي فإن استمرار حرب لا توجد فيها مقاومة ولا قدرة على المقاومة، إنما قتل متعمد للمدنيين والأطفال، خطأ فادح.

إن التأخر في الاعتراف بحصيلة هذه الحرب لن ينصر المقاومة مهما كانت صلابة عناصرها وشجاعتهم ونبل مقصدهم، لأنها لم تعد هناك أي أوراق ضغط يمكن أن تضاف لصالح «حماس»، إنما بات أقصى ما يمكن أن تصل إليه هو أساساً بفعل تدخلات خارجية، وسيقتصر على عملية تبادل أسرى لن تؤدي إلى بقاء «حماس» بصفتها تنظيماً مسلحاً أو إدارة حكم في غزة، ولا لجم السياسات الإسرائيلية الاستيطانية، إنما إطلاق سراح أسرى فلسطينيين من السجون الإسرائيلية، وإنقاذ حياة مئات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين الذين باتوا مهددين بالقتل والجوع بسبب استمرار الاعتداءات الإسرائيلية.

إذا اقتنعت «حماس» بأن معارك المقاومة في كل تجارب العالم ليست صفرية، أو أن قبولها بخسارة معركة لا يعني خسارة «القضية العادلة»، وأن المفاوضات الحالية لا تمتلك فيها أي أوراق ضغط من داخلها إلا ورقة الأسرى (التي تتراجع أهميتها كل يوم)، فإن مشاكل إسرائيل ستزيد عقب وقف الحرب لأنها ستواجه عالماً أصبح جانب كبير من رأيه العام رافضاً للجرائم التي ترتكبها، كما ظهرت نخب جديدة تحاول أن تجد لها مكاناً في مواجهة النخب المهيمنة، سياسياً واقتصادياً، الداعمة لإسرائيل، كما أن التحرك السعودي الفرنسي من أجل الاعتراف بالدولة الفلسطينية ومعهما عشرات الدول سيمثل أيضاً ورقة ضغط على الاحتلال الإسرائيلي.

إن المفاوضات الحالية هي «مُسكّن» لوقف المجازر والمجاعة ولن تكون تسوية عادلة، وإن رفض «حماس» الأول لورقة ويتكوف سهّل مهمة إسرائيل في القتل والتجويع والاحتلال، في حين أن المطلوب تصعيب مهمتها، وجعل هناك تكلفة أكبر لهذه الجرائم، وتفكيك الحصانة الاستثنائية التي تتمتع بها، وجعلتها فوق القانون والمحاسبة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الكرّ والفرّ في التفاوض أيضاً الكرّ والفرّ في التفاوض أيضاً



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt