توقيت القاهرة المحلي 20:35:43 آخر تحديث
  مصر اليوم -

العين الواحدة

  مصر اليوم -

العين الواحدة

بقلم : عمرو الشوبكي

خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان بعينين ليرى بهما كل ما حوله، وحكمة الرب أنه لم يخلق الناس بعين واحدة لتبقى رسالة إلهية خالدة للبشر: لا تنظروا لأمور دنياكم بعين واحدة.

مجتمعاتنا العربية عامة- ومجتمعنا المصرى خاصة- ترى منذ عقود بعين واحدة، وفى السنوات الأخيرة تحولت تلك العين إلى أداة لبَثّ الكراهية والتحريض والانحياز الفَجّ لشخص أو نظام أو جماعة، والتحريض على أخرى، حتى لو كانت صورة من الأولى التى يهلل لها أصحاب العين الواحدة.

التحولات التى شهدتها مصر فى السنوات الخمس الأخيرة حادّة ومتسارعة، لكنها خلقت قراءات مشوهة للواقع السياسى، تُزوِّر فى الوقائع والأحداث، وتُحوِّل الأرقام المحايدة إلى وجهات نظر، حتى مبادئ دولة القانون واحترام أحكام القضاء وكل البديهيات المطلوبة لنجاح أى نظام سياسى (حتى لو أنه غير ديمقراطى) تغيب تماما فى مثل هذه الأجواء.

يقيناً الأوضاع العربية والشرق أوسطية حملت رسائل من عدم اليقين لكل الاتجاهات، ومثّلت فرصة حقيقية لمراجعة البعض أفكاره الأحادية، ولكن ذلك لم يحدث بالنسبة لكثيرين.

ففى الستينيات كان العالم منقسما بين الاشتراكية والرأسمالية، وكان الدفاع عن الأولى يعنى تبَنِّى عقيدة سياسية ترى الإيجابيات وتحُول دون رؤية السلبيات، ونفس الأمر بالنسبة لليبرالية، فإن الشخص اختار فكرة نظرية قبل شواهد وتجارب على الأرض.

ومع سقوط الأيديولوجيات- أو بمعنى أدق إعادة بنائها وتعريف دورها فى الحياة السياسية، بعد أن أصبحت إطارا فكريا عاما ورحبا وبوصلة لتحديد التوجهات والبرامج وليست نصوصا مغلقة يرددها الناس مثل أناشيد الصباح- أصبحت أمام الجميع فرصة واقعية لقراءة الواقع السياسى والاجتماعى المحيط بعينين وليس بعين واحدة، وهم متخلصون من الأنماط الأيديولوجية الجامدة.

وقد تغيرت الأوضاع فى العالم كله للأفضل إلا فى منطقتنا العربية المنكوبة (باستثناءات قليلة أبرزها تونس)، وتعمقت قراءات العين الواحدة فى التعامل مع كل الأحداث، ففى مصر هناك انقسام سياسى عميق بين أغلبية أيدت مسار 30 يونيو وأقلية عارضته، وانقسام تاريخى بين التيارين المدنى والإسلامى، وانقسام جديد بين معارضين من خارج الإخوان (يبدو أنهم فى طريقهم لأن يصبحوا أغلبية) وبين مؤيدين، وبين عقلاء وناس طبيعيين يشغلون أدمغتهم من كل الاتجاهات، وبين بؤساء ممسوحة عقولهم.

وتغيرت مصر للأسوأ، واعتمدت العين الواحدة فى قراءة الأحداث الداخلية والخارجية، ليس بسبب تبَنِّى عقيدة سياسية بعينها كما جرى فى القرن الماضى، إنما بسبب ترسُّخ خطاب الكراهية والتحريض وانتشار العقول الممسوحة، وأصبح هناك قطاع من الناس ضد نفسه وضد إرادته، فالبعض وصلت به كراهيته للتغيير- أو العيش بكرامة أو القول كفى أن يحكمنا رئيس 30 عاما- إلى أن اعتبر ثورة يناير مؤامرة، ومارس سبّا فى حقها وحق نفسه، صحيح أنها لم تحقق أهدافها، وصحيح أن الإخوان أرادوا اختطافها لحسابهم، ولكن رسالة يناير انتهت بتنحى مبارك فى 11 فبراير، والفشل الذى جرى بعده يتحمله الجميع، بما فيهم نظام مبارك نفسه، الذى لم يفتح الباب أمام فرصة الإصلاح من داخله.

نفس العين الواحدة تكررت مع «30 يونيو»، فهناك أغلبية أيدتها وأقلية عارضتها، ومع ذلك سنجد البعض اعتبر أن تصفية أى مدنى معارض (إخوانى أو غير إخوانى) مقبولة، وسيغمض العين عنها، لأن المعارض لابد أن يكون خائنا للوطن، صحيح أن هذا الخطاب تراجع، ولكن كثيرا من رموزه هللوا لضحايا كثيرين لم يحملوا السلاح، حتى لو تظاهروا واعتصموا فى المكان الغلط، ولم يُفتح هذا الملف حتى هذه اللحظة، وتُرك لجروح تتعمق كل يوم.

العين الواحدة دفعت بعض أنصار الحكم إلى المطالبة بإبادة الجميع، ونالوا حصانة مؤكدة، واستباحوا كل القيم النبيلة التى عرفنا كثيرا منها فى سنوات سابقة، وأصبحوا لا يقبلون وجود معارضة مدنية أو إسلامية أو ثورية أو حتى تأييد عاقل، إنما فقط المبايعة والتطبيل. والغريب أن جماعة الإخوان تمسكت بنفس خطاب خصومها فى التعالى على الشعب، ولم ترَ كل الأحداث إلا بعين واحدة، ودفنت رأسها فى الرمال.

فقد ظلت الجماعة تعتبر «30 يونيو» انقلابا، وتصف الجيش بـ«العسكر»، ولم ترَ منذ 3 يوليو إلا نفسها، واختزلت كل نشاطها فى الانتقام من النظام القائم دون أدنى تفكير فى أن هناك مواطنين مصريين كاملى الحقوق والواجبات وليسوا انقلابيين، ولم يقتلوا فى حياتهم بعوضة، رفضوا حكمهم، ومؤسسات دولة على استعداد لأن تصل إلى أقصى درجات القسوة حتى لا يفكر الإخوان مرة أخرى فى الاقتراب من السلطة.

خطاب هلاك الانقلاب وسقوط الانقلابيين لا يملك الإخوان غيره منذ 3 يوليو، لأنهم لم يروا ولن يروا عموم الناس، ولو فعلوا ذلك فسيضطرون للاعتراف بفشلهم أو على الأقل بمسؤوليتهم عن الفشل، وسيضطرون إلى مراجعة عميقة لمسار الفشل، قد تؤدى إلى تجاوز صيغة الجماعة القديمة تماما، وهو أمر لا يرغب فيه قادتها، ولذا اختاروا مواجهة السلطة بالعنف حتى يتم إنهاكها وتقبل بالتفاوض معهم، وهو سيناريو مستبعد.

العين الواحدة لا تعترف بالبشر والشعب، إنما تختزل المعادلة فى السلطة الحاكمة والجماعة المعارضة، وما بينهما من مؤيدين ومعارضين وحواضن شعبية وأنصار لكل تيار هى أمور ليست فى الحسبان.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العين الواحدة العين الواحدة



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس ـ مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 10:50 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج السرطان السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 09:29 2019 الثلاثاء ,29 كانون الثاني / يناير

تصميمات داخلية للمنزل المتواضع مع درجات ألوان مُحايدة

GMT 00:01 2025 الجمعة ,17 كانون الثاني / يناير

الإسماعيلى ينتظر رد فيفا من أجل رفع إيقاف القيد مجددا

GMT 08:00 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

القمر في منزلك الثامن يدفعك لتحقق مكاسب وفوائد

GMT 16:31 2021 الأربعاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

"AZZI & OSTA" تطلق تشكيلتها الجديدة

GMT 05:23 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

الاتحاد المصري يوافق على تشكيل رابطة المحترفين لـ 3 أقسام
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt