أخذت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران أبعاداً جديدة بعد أن اتَّضحت فداحة الخسائر التي أصابت القدرات العسكرية والمدنية الإيرانية، وبعد أن استهدفت إيران دولَ الخليج بصورة تأسّف لها الرئيس الإيراني دون أن يعتذر ودون أن يتمكن من إيقافها.
اللافت أن موقف دول الخليج، ومعها تركيا والأردن، تجاه الحرب، ظلَّ رغم الهجمات الإيرانية يتَّسم بالرشادة والعقلانية، ولم ينجر إلى ردود فعل انفعالية أو حسابات صفرية. تمسكت هذه الدول بسياسة الرّدع وعدم التّورط في الحرب إلا لو شعرت أنَّ أمنها القومي بات مهدداً بشكل مباشر.
وقد عرفت مواجهات المنطقة في العقود الأخيرة نوعين من الأداء: الأول صاحب المدرسة الصفرية التي تتصور أنَّها ستبني جديداً على «نظافة» يستأصل كلَّ شرور القديم، وينسي أو يتناسى أنَّ أي جديد سيحمل في طياته بعض عناصر القديم الذي أسقطه تحت أي مسمى، ولا يوجد جديد خالٍ من «شوائب القديم» إلا في الأفلام أو الأحلام الوردية.
ولنا أن نتذكر طريقة التفكير التي حكمت الرئيس العراقي الراحل صدام حسين حين غزا الكويت في 2 أغسطس (آب) 1990، وقرر شطب دولة عربية من خريطة الوجود، وفق عقلية «المعادلة الصفرية» القائمة على الشطب والإقصاء فكان أن فعل ما فعل بالقوة الغاشمة، وكان تحريرها على يد قوات عربية وأميركية وبقرار من الأمم المتحدة بالقوة، ثم عاد الغزو مرة أخرى ليطل على المنطقة على يد أميركا في 2003، وحمل العقلية الصفرية السابقة نفسها فلم تكتف بإسقاط النظام العراقي، إنما حلت الجيش وهدمت مؤسسات الدولة، وأدخلت البلاد في فوضى وانتقام وإرهاب لأكثر من عقد من الزمان، لأنَّ العقلية الأميركية التي هندست التغيير في العراق حملت المعادلة الصفرية نفسها التي تصورت أن «الجديد الوردي»، يعني هدم القديم وإزالته بالكامل، واكتشفنا أن الفوضى الخلاقة التي تحدثت عنها وزيرة الخارجية الأميركية الأسبق كوندوليزا رايس كطريق للديمقراطية، لم تكن خلاقة ولم تجلب الديمقراطية.
الحقيقة أن ما يجري حالياً في المنطقة من مواجهات مسلحة مع إيران أعاد مرة أخرى النقاش حول الحلول، وكيف يمكن ردع إيران وتغيير طبيعة وسلوك نظامها جذرياً، دون تعريض المنطقة للخطر ولنفس المعادلات الصفرية التي ترغب الحكومة الإسرائيلية في فرضها على الجميع باستدعاء «مفردات غزة» في التدمير والاستئصال والاجتثاث (على طريقة اجتثاث «البعث») وهو توجه لم تتبنه بالكامل الإدارة الأميركية، لأنها تعرف تبعاته على الجميع، خصوصاً بعد أن صرح الرئيس ترمب بأنه سيكون من الأفضل تغيير النظام من داخله.
الحقيقة أن تعامل كلٌّ من تركيا والسعودية مع الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران اتَّسم بالعقلانية والرشادة والتحرك الجاد لوقف الحرب ووقف الاعتداءات على دول الخليج.
وقد تكون تركيا أحد النماذج التي يمكن اعتبارها دولة إقليمية كبرى، وسباقة في تأسيس نموذج قائم على «المعادلات غير الصفرية»، خصوصاً فيما يتعلق بدورها في سوريا، حيث دعمت الفصائل المعارضة، ودعمت روسيا النظام السابق، ومع ذلك نجحا في الاحتفاظ «بشعرة معاوية» عند الخلاف، والتنسيق عند التوافق، في مشهد غير معتاد في الشرق الأوسط الذي شهد صراعات صفرية كثيرة.
وقد استمر هذا الأداء في التعامل مع الحرب الحالية، وظلت تركيا ترفض سلوك النظام الإيراني تجاه جيرانه وترفض تدخلاته في شؤونهم وسياسة الأذرع، لكنها أيضاً رفضت مشاريع الهيمنة الإسرائيلية بالقوة والاحتلال، وتكرر الأمر فيما يتعلق بمواقف دول الخليج من الحرب الدائرة، فقد رفضت أن تشارك فيها رغم الاعتداءات الإيرانية، بل حاولت منعها وسعت لوقفها، ولم تقم برد فعل فوري أو انفعالي على الاعتداءات الإيرانية.
الأداء التركي قدم خبرة قامت على وجود قنوات اتصال مع روسيا وإيران، وأيضاً مدافع «عاقل» عن المقاومة الفلسطينية، وفي الوقت نفسه استمرت عضواً في حلف «الناتو» وصديقاً موثوقاً لأميركا والرئيس ترمب.
أما السعودية فقد قادت معركة الاعتراف بالدولة الفلسطينية على الساحة الدولية، وتحركت لوقف حرب غزة وأدانت السياسات الإسرائيلية، وفي الوقت نفسه ظلت على علاقة قوية وشراكة اقتصادية واستراتيجية مع الولايات المتحدة، ودعمت خطة ترمب للتسوية السلمية.
العمل على إنهاء تهديدات إيران وإنهاء الحرب يحتاج استدعاء هذه المقاربات في ملفات عديدة، الذي قام على عقلية «غير صفرية» لا تعتبر التدمير سيبني، إنما الردع والضغط وقنوات الاتصال المتعددة هو الذي سيبني ويوقف الحرب.