بقلم:عمرو الشوبكي
ليس معتادا فى تاريخ الحروب أن تكون الهدنة هى عنوان المواجهة، وأن مذكرة التفاهم التى وقعتها أمريكا مع إيران ظلت نقاطها مبهمة واتضح منذ اليوم الأول أن تفسيرها يتم بالضربات العسكرية كمحاولة لفرض شروط كل طرف على الآخر أو تحسينها.
واللافت أن الحرب التى استأنفها ترامب على إيران واستمرت أسبوعين أوقفها أول أمس قائلا إنه يعطى فرصة جديدة للمفاوضات بعد الضربات التى استهدف بها منشآت عسكرية إيرانية وخاصة المتاخمة لمضيق هرمز.
والحقيقة أن ترامب قسم استراتيجيته لهذه الحرب إلى مستويين: الأول هو إضعاف ثم مزيد من الإضعاف للقدرات العسكرية الإيرانية وخاصة المتاخمة لمضيق هرمز حيث نجح فى تحييد منصات صواريخ ومخازن مسيرات بالإضافة إلى عدد كبير من زوارق الحرس الثورى، وبات واضحا تراجع قدرة إيران على استهداف حركة السفن فى المضيق. أما المستوى الثانى الذى هدد به ترامب أكثر من مرة ولم يقدم عليه، وهو استهداف واسع للمنشآت النفطية والمدنية الإيرانية وهو سيناريو بالأساس إسرائيلى ومن شأنه أن يقوض النظام القائم ويصيب فى مقتل مقدرات الشعب الإيرانى ومستقبل أجياله.
ولكن هذا الاختيار سيكون له تبعات خطيرة أبرزها أن «الانهيار الإيراني» إن حدث ولو جزئيا، سيكون له تبعات كثيرة على دول المنطقة وسنشهد ردود فعل انتقامية من عشرات التنظيمات الإيرانية المسلحة، وسيتحول الحرس الثورى إلى «حراس ثأر» يستهدفون الجميع.
إن ترامب الذى هدد بإعادة إيران للعصر الحجرى وإنه قادر على إبادة حضاراتها لم يقدم على تنفيذ هذه التهديدات لأنه يعرف نتائجها حتى لو مازالت الحكومة الإسرائيلية تضغط فى اتجاه القيام بهذا السيناريو.
لقد وصلت «هدنة المواجهة» إلى نقطتها النهائية ومن الوارد أن تستأنف الهدنة الحقيقية مرة أخرى، وأن تكون المواجهة هذه المرة بالسياسة والتفاوض، وستربح أمريكا والمجتمع الدولى معركة مضيق هرمز وسيفتح أمام حركة الملاحة، مقابل حصول إيران على مكاسب وخاصة فيما يتعلق بملف العقوبات والأموال المجمدة والعودة إلى جوهر مذكرة التفاهم واتفاق أوباما فى ٢٠١٥ والذى وقعته ٥ دول عظمى مع إيران وقام فى أساسه على رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران مقابل التزامها بنسب تخصيب للأغراض السلمية بلغت وقتها ٣.٦٧٪ وبعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووى فى ٢٠١٨ ضاعفت طهران نسب التحصيب حتى وصلت إلى أكثر من ٦٠٪.
إن فتح مضيق هرمز سيقابله رفع تدريجى للعقوبات الاقتصادية ورفع الحظر على أصول إيران المجمدة خاصة أن باقى الملفات حدث فيها قدر من التفاهم، فلم يعد أحد يتكلم عن الملف الصاروخى الإيرانى وهناك درجة من الاتفاق على طريقة تفكيك المشروع النووى الإيرانى وبقيت ورقة مضيق هرمز هى طريق إيران من أجل رفع الحصار والعقوبات الاقتصادية والانتقال من دنة المواجهة المسلحة إلى هدنة المواجهة السياسية.