كنا نودع سنوات البهجة بين ربوع جامعة القاهرة، كنا نشعر بأن هناك زمنًا مضيئًا من الأحلام ينتظرنا، وأن المستقبل يرسم لنا عالمًا جديدًا يكبر بين عيوننا، وأن هناك وطنًا بعرض الكون إنجازًا وفخرًا يملأ الدنيا حولنا. كنا طيورًا تحلق فى سماء النيل حبًا، وكل الكون ينظر حولنا.
- وسط هذا الكون الفسيح، كانت مصر ترفع فى سماء المجد أعلامنا، فى ساحة الأفراح، كان شراع الأمل ينسج أحلامنا، وذات ليلة حزينة هبطت على الوادى طيور بلون الموت، بددت أفراحنا واستباحت أمننا وشردت حشودنا، واختلفت الأحوال، وما كان حلمًا صار خوفًا وضياعًا.. وقالوا يومها هى نكسة، ولم تكن أبدًا هزيمة. شردت أشلاءنا، وبدأت ليالى الحزن تجتاح حشودنا فى كل شبر من ربوع بلادنا.
- كانت حشود اليأس تعبث، والدمار يطارد الأحياء والموتى، ويقصف فى الظلام بيوتنا. هبطت على الوادى حشود الموت، والأطلال تصرخ فوق ربوعنا، سكتت غناوى الحب، واستلقت هموم العمر فى صمت النهاية.. كانت وراء النيل تكبر الخيل العريقة، كانت حشود من صهيل الخيل تزأر حولنا، وتجمعت فى الأفق رايات البطولة، واستعادت صرخة الفرسان ما قد ضاع منها.. كان العبور هدية، كان العناق شهادة الميلاد، كان نصر الله معجزة السماء. خرجت من الأفق البعيد قوافل الشهداء تحمل البشرى لشعب أرقته ليالى الحزن واليأس العنيد..
- عادت شواطئ نيلنا فى فرحة النصر المقدس، تسترد قناتنا وتستعيد كرامة الأرض التى سلبت، وتحمى ما استباح الغدر من أفراحنا.. سيناء عادت، كل شبر قام بين ربوعها صلى ورتل القرآن والإنجيل فى منابرها، وفى قداسها، عادت الأفراح فى سيناء تحيى عرسها
. كانت حشود الحق تلعن كل باغٍ يستبيح ترابها.. اليوم عادت سيناء مقبرة للغزاة، وسوف تبقى دائمًا حصن الأمان، ولن تدنس ذات يوم أرضها..سنعود للذكرى ونحيى فى شموخ نصرها.
الله أكبر فى حشود الحق ترفع الرايات بالنصر العظيم، وجيش مصر يصون كل حدودها، ونعود نذكر فرحة الوطن المكابر، وجيوش صوت الحق يعلو صوتها.. من حاربوا، من كان ربان السفينة، كل من نزفت دماه على جبين ترابها، عن كل مئذنة سرت صلواتها، عن كل قديس ترنم فى سكون جبالها.. سلام على سيناء ما دامت تغنى للخلود نخيلها.
- لم يكن نصر أكتوبر حدثا عاديا، بل كان بعثا لإرادة أمة، وعودة للروح التى دمرتها الهزيمة. عاد شباب مصر يحلق مرة أخرى فى سماء أحلامه، بعد سنوات من اليأس والإحباط، وعاد جيش مصر يستعيد قدراته وقواته، وانطلقت فى سماء مصر أسراب الأمل والبهجة، وانطلق صوت قائد المسيرة فى أرجاء مجلس الشعب يعلن انتصار جيش مصر، واهتزت أركان العالم أمام نصر أعاد للأرض كرامتها، وللوطن مكانته. كان نصر أكتوبر ميلادا جديدا بعد محنة قاسية، كل الأشياء فى ربوع مصر عادت تغرد، وتعيد أغنيات النصر إلى قلوب أرهقها اليأس والانكسار.
- حلق كتاب مصر فرحا بالنصر: توفيق الحكيم «فى عبرنا الهزيمة»، ونجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وكانت الفرحة تهز أركان مصر. بين الغناء والفرحة، كنت قد توقفت عن كتابة الشعر بعد سنوات النكسة، واستعنت بكاتبنا الكبير إحسان عبدالقدوس، لكى يقنع أستاذنا توفيق الحكيم ليكتب مقدمة قصائدى عن نصر أكتوبر، وكتب الحكيم المقدمة، ليكون أول دواوينى، وقال فى مقدمته إن التتويج الذى تطالبنى به تملكه أنت بحب بلادك..حين أرسلت الديوان إلى الرئيس السادات، وصلتنى رسالة تفيض حبا وتقديرا، وكانت قصيدتى «عشقناك يا مصر» أغنية النصر فى احتفالية النصر، وحضرها الرئيس والسيدة جيهان، وغنتها ياسمين الخيام من ألحان الموسيقار محمود الشريف. كانت ذكريات عزيزة بينى وبين نصر أكتوبر.
- بقيت فى ذاكرتى صور أبطال حرب أكتوبر: أحمد إسماعيل، والجمسى، والشاذلى، وحسنى مبارك، وأبو غزالة، وفؤاد ذكرى، ومحمد على فهمى واللواء سعدالدين مأمون، وعبدالمنعم خليل، وعبدالمنعم واصل، ونبيل شكرى، ومحمود عبدالله، وكل القيادات التى شاركت فى هذا الإنجاز العظيم. كل قائد من هؤلاء الرجال كان ملحمة فى الصمود والتصدى، وقدم دروسا فى الوطنية.
- ومضت بنا سنوات العمر، ونحن نودع جامعة القاهرة فى لحظة حزن دامية، مع هزيمة مرة أجهضت أحلامنا، لتعبر سنوات، ويتحقق نصر أكتوبر، ويعيد للأرض كرامتها، وللإنسان قدرته على الإنجاز والتحدى. سنوات من العمر، بعضها سرق الأحلام، وبعضها أكمل المسيرة، لنحتفل بنصر أكتوبر ونستعيد ذكرى الشهداء.. يبقى نصر أكتوبر لحظة خارج الزمن، أعادت للأمة شبابها، وللوطن كرامته.. ولن تغيب عن الذاكرة لحظة عبور قناة السويس، وتدمير خط بارليف، والجنود يهتفون: «الله أكبر»، وكان العبور ميلادا لوطن جديد.
- كانت أقدارا غريبة أن أودع جامعة القاهرة فى لحظة حزن قاسية، وتلقى بى الأحداث إلى مرارة هزيمة أحبطت أحلامنا، وجاء نصر أكتوبر ليكون ميلادى شاعرا، وما بين أحلام سرقتنا، وميلاد انتصار أعاد الأمل إلى ربوعنا، كانت الرحلة بين النصر والهزيمة.. ما بين الحلم والحقيقة، كانت الأقدار ترسم لى الطريق، أن أعود للشعر بعد غيبة طالت، ويكون «أوراق من حديقة أكتوبر»، ويقدمه توفيق الحكيم، وتكون إحدى قصائدى أغنية النصر، ويرسل لى الرئيس السادات رسالة تقدير، وتكون قصتى مع أكتوبر النصر بداية مشوارى.
- وكما رسمت الأقدار مشوارى بين النصر والهزيمة، كانت قصة نشيد الجيش الذى كتبته هدية لجيش مصر، ولحنه الموسيقار كمال الطويل، وكانت هذه قصتى مع نصر أكتوبر.
ويبقى الشعر
وحين نظرتُ فى عينيكِ..
لاح الجرحُ.. والأشواقُ والذكرى
تعانقـْنا.. تعاتـْبنا
وثار الشوقُ فى الأعماق ِ..
شلالا تفجر فى جوانحنا
فأصبح شوقـُنـَا نهرا
زمانٌ ضاع من يدنا..
ولم نعرف له أثرا
تباعدْنا.. تشردْنا
فلم نعرف لنا زمنـًا
ولم نعرف لنا وطنا
تـُرى ما بالـُنا نبكى؟
وطيفُ القـُربِ يجمعنا
وما يُبكيكِ.. يُبكينى
وما يُضنيكِ.. يُضنينى
تحسستُ الجراحَ..رأيت جُرحًا
بقلبكِ عاش من زمن ٍ بعيدْ
وآخرَ فى عيونكِ ظل يُدمى
يُلطـّخ وجنتيْكِ..ولا يريدْ
وأثقل ما يراه المرءُ جُرحًا
يعلُّ عليه..فى أيام عيدْ
وجُرحك كلَّ يوم ٍ كان يصحو
ويكبرُ ثم يكبرُ.. فى ضلوعى
دماءُ الجرح ِ تصرخ بين أعماقى
وتنزفها.. دموعى
لأنكِ عشتِ فى دَمِنا..ولن ننساكِ
رغمَ البعدِ..كنتِ أنيسَ وَحدتنا
وكنتِ زمانَ عفـِّتنا
وأعيادًا تجددُ فى ليالى الحزن ِ..فرحَتـَنا
ونهرًا من ظلال ِالغيبِ يَروينا..يُطهِّرنا
وكنت شموخَ قامَتنا
نسيناكِ!
وكيف..وأنتِ رغم البعدِ كنتِ غرامَنـَا الأولْ؟
وكنتِ العشقَ فى زمن..نسينا فيه
طعمَ الحب.. والأشواق..والنجوَى
وكنتِ الأمنَ حين نصيرُ أغرابًا..بلا مأوى؟!
وحينَ نظرتُ فى عينيكِ..
عاد اللحنُ فى سمعى
يذكـّرنى.. يحاصرنى .. ويسألنى
يجيب سؤالـَه.. دمعى
تذكرنا أغانينـَا
وقد عاشت على الطـُّرقاتِ مصلوبة
تذكرنا أمانينـَا
وقد سقطت مع الأيام ِ.. مغلوبة
تلاقـْينا..وكل الناس قد عرفوا حكايتنا
وكل الأرض قد فرحت.. بعودتِنـَا
ولكن بيننا جُرحٌ..
فهذا الجرحُ فى عينيكِ شىء لا تـُداريهْ
وجُرحى.. آهِ من جُرحى
قضيْتُ العمرَ يؤلمنى.. وأخفيهْ
تعالىْ .. بيننا شوق طويلٌ ..
تعالىْ .. كى ألملمَ فيكِ بعضى
أسافرُ ما أردتُ وفيك قبرى. .
ولا أرضَى بأرض ٍ.. غير أرضى
وحين نظرتُ فى عينيكِ
صاحت بيننا القدسُ
تعاتبنا..وتسألنا
ويصرخ خلفنا الأمسُ
هنا حلم نسيناهُ
وعهدُ عاش فى دمنا..طوَيْناهُ
وأحزانٌ..وأيتامٌ..وركبٌ ضاع مَرساهُ
ألا والله ما بـِعناكِ يا قدسُ..
فلا سقطت مآذنـُنـا
ولا انحرفت أمانينا
ولا ضاقت عزائمُـنا..
ولا بخِلت أيادينا
فنارُ الجرح ِ تجمعنا..
وثوبُ اليأس ِ.. يُشقينا
ولن ننساكِ يا قدسُ
ستجمعنا صلاة ُالفجر فى صدركْ
وقرآنٌ تبسَّم فى سنا ثغركْ
وقد ننسى أمانينا..
وقد ننسى .. مُحبِّينا
وقد ننسى طلوع َ الشمس ِ فى غدِنـَا
وقد ننسى غروبَ الحلم من يدنا
ولن ننسى مآذننا..
ستجمعُنا.. دماءٌ قد سكـَبناها
وأحلامٌ حلمناها..
وأمجادٌ كتبناها
وأيامٌ أضعناها
ويجمعنا.. ويجمعنا.. ويجمعنا.
ولن ننساكِ.. لن ننساكِ.. يا قدسُ.