توقيت القاهرة المحلي 05:57:54 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أسامة الباز.. صوت الحكمة فى سلطة القرار

  مصر اليوم -

أسامة الباز صوت الحكمة فى سلطة القرار

بقلم:فاروق جويدة

جمع الثقافة والمنصب والخبرة، وقبل هذا اختار التواضع والبساطة أسلوب حياة.. كان فارس كل العصور، وكان قادرًا أن يجمع الخبرة مع الثقافة مع المنصب ونجح فيها جميعًا.. أتحدث عن د. أسامة الباز مستشار كل الرؤساء، وكان دائمًا مطلوبًا في كل المواقف والأزمات..
ــــ عرفته عن قرب وكان دائمًا حاضرًا مشاركًا في أصعب اللحظات وأمام كل الأزمات.. كنا نتواصل في كل المواقف، وكان صوتًا عاقلاً حكيمًا بجوار سلطة القرار، بل كان صاحب موقف في كثير من القضايا، وقد تولى مسئوليات في مواقع كثيرة، وحين رحل بقي مكانه خاليًا وافتقدت حضوره مواقف كثيرة.. كان صاحب رأي وصاحب خبرة ولا يخجل من أن يكشف الحقيقة.. تعلّم الكثير في مدرسة هيكل، وعاصر ناصر والسادات ومبارك، وكانت له مكانة خاصة عند كل صاحب قرار.. وهو فيلسوف الدبلوماسية وخزانة أسرار الرؤساء في دهاليز السياسة المصرية ،..لم يكن مجرد موظف حكومي رفيع المستوى، بل كان عقلًا مفكرًا، وصائغًا للعبارات التي شكلت تاريخ مصر الحديث. وأحد أبرز مهندسي عملية السلام، والرجل الذي جمع بين «دهاء السياسي» و«بساطة الزاهد»..
​ــــ وُلد أسامة الباز بقرية «طوخ الأقلام» بمحافظة الدقهلية (وأسرة تعود جذورها لدمياط)، لعائلة أنجبت نوابغ، فهو شقيق عالم الجيولوجيا العالمي فاروق الباز الذي عمل مع وكالة ناسا.. رسم الباز مساره العلمي بدقة؛ فتخرج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1954، ولم يكتفِ بذلك، بل طار إلى الولايات المتحدة ليحصل على الماجستير والدكتوراه من جامعة هارفارد العريقة.. هذا التكوين الأكاديمي المزدوج بين القانون المصري والفكر الغربي منحه قدرة فائقة على التفاوض وفهم العقلية الغربية، وهو ما ظهر جليًا في مسيرته لاحقًا..
ــــ كان خبيرًا في السياسة الدولية والعلاقات بين مصر والعالم، وعلى المستوى المحلي كان يشارك الناس في حياتهم أملاً وأحلامًا..  بدأ نجم الباز يسطع في عهد الرئيس الراحل أنور السادات فلم ينس أحد دوره في معركة السلام، وبرزت قدراته التحليلية خلال إدارة ملفات ما بعد حرب أكتوبر 1973، وكانت المحطة الأبرز في تاريخ الباز هي مشاركته في مفاوضات كامب ديفيد.. ورغم أنه كان يُعرف بمواقفه المتشددة أحيانًا لصالح الحقوق العربية ، فإنه كان الصائغ القانوني واللغوي البارع لبنود المعاهدة.. كان يمتلك قدرة فريدة على صياغة الجمل التي تحتمل أكثر من تأويل، ووقف مع السادات في كامب ديفيد بكل الحب والوطنية..
وكان خبيرًا في القضية الفلسطينية وعاشها بكل الصدق والمسئولية.. كان من أقرب الناس إلى ياسر عرفات، وعاش محنة الشعب الفلسطيني في الأردن ولبنان وتونس، وكان صوتًا حكيمًا للقضية في مصر.. ومع تولي الرئيس حسني مبارك الحكم، أصبح الباز مستشارًا سياسيًا للرئيس لسنوات طويلة، وكان يُنظر إليه كمهندس للعلاقات المصرية الأمريكية والمصرية الإسرائيلية ولعب دورًا محوريًا في معركة التحكيم الدولي لاستعادة طابا، موظفًا خبرته القانونية والدبلوماسية لإثبات حق مصر التاريخي.فلم يكن مجرد مستشار في سلطة القرار، بل كان من صناع القرار، وكثيرًا ما غيّر مسارات الأحداث في مسيرة القرار المصري.. عرفته سنوات، وكانت بيننا حوارات كثيرة، وفي بعض الأحيان كنت أسعى إليه طالبًا الرأي والمشورة. وكنا نلتقي في جلسات حوار عند صديقنا إبراهيم كامل مع د. فاروق الباز، وكان الحوار ممتعًا وعميقًا في كل شئون الحياة..
ــــ قلت: من أجمل الأشياء في أسامة الباز التواضع؛ كان يتعامل مع الناس بروح من الود والتواصل، وكان من السهل أن تجده في الأوتوبيس أو يتناول الغداء في أحد المطاعم في الأحياء الشعبية، ولم يغيّر السيارة المتواضعة التي خصصتها الرئاسة له، ولم يكن يتجاهل المجاملات الإنسانية.. وكثيرًا ما تدخل بين السلطة وأحد الكُتّاب الذي يعاني خصومة أو أزمة.. اتصل بي صباحًا ذات يوم  وقال: أين أنت؟ قلت: في البيت. قال: سوف أمرّ عليك بعد نصف ساعة عندنا مشوار سريع سوف نذهب إليه.. نزلت ووجدته جالسًا في سيارته، قال: سوف نذهب إلى فاروق حسني، هو ينتظرنا الآن في الوزارة، مطلوب مني أن أصفّي الخلاف بينكما.. قلت له: إن فاروق صديقي والخلاف بيننا في المواقف والأفكار.. دخلنا على فاروق وكان في انتظارنا، تصافحنا وبدأت بيننا جلسة عتاب طالت، كان فيها الكثير من المودة وتصفية النفوس.. كثيرًا ما كنت أستعين برأي أسامة الباز، خاصة في ندواتي في بعض الدول، وكان يوضح لي موقف الدولة فيما يخص العلاقات السياسية..
ــــ كان أسامة الباز يمثل أهمية خاصة في مؤسسة الرئاسة بالرأي والخبرة والمصلحة الوطنية.. كثيرًا ما تعرض لنوبات حقد في بلاط السلطة لأنه الأذكى والأشجع والأكثر ثقافة وحضورًا.. كنا نجلس في مكتبه في مبنى وزارة الخارجية القديم في التحرير، حين سألني: من في الأهرام يصلح رئيسًا للتحرير؟ قلت: سلامة أحمد سلامة كاتب محترم يقدّر المسئولية وله جمهوره.. قال: سلامة كاتب متعب ولا يسمع النصيحة، لقد طلبتُ منه أن يخفف موجات نقده ولكنه يرفض، إنه لا يريد المنصب. دارت بيننا أسماء أخرى ليست في حجم سلامة أحمد سلامة..
ــــ كان أسامة الباز يسد ثغرات كثيرة في سلطة القرار، وكان يتسم بالحكمة والأمانة بين القرار والدولة.. عَبَرت على أسامة عواصف كثيرة، ولكن أشدها أثرًا كانت حرمانه من أن يكون وزير خارجية مصر رغم أنه كان الأحق، وعبرت أمامه أسماء كثيرة رغم أنه كان الأقرب إلى المنصب تاريخًا وحضورًا ودورًا.. لم يطلب أسامة الباز لنفسه شيئًا، كان مكتفيًا بما يُلقى عليه من المسئوليات والأعباء، وكان زاهدًا لا يريد من المنصب شيئًا غير أن يكون راضيًا.. ورغم معاناته من ضعاف النفوس حول سلطة القرار، فإنه لقي كل التقدير والاحترام في كل ما تولى من المسئوليات والمناصب. وحين غاب عن الساحة شعر الناس بقيمة المسئول حين يكون جادًا وأمينًا، ولهذا كثيرًا ما افتقدت مواقع المسئولية مثل هذه النماذج الرفيعة بالقرب من سلطة القرار..
ــــ عاش أسامة الباز معظم سنوات عمره حاضرًا مؤثرًا ذكيًا مثقفًا، وإن عانى كثيرًا أنصاف المواهب التي تحاصر عادة سلطة القرار..  في صمت مهيب رحل أسامة الحاضر الغائب وفارس الظل وحكيم الوطن الذي افتقدته الساحة وافتقدته سلطة القرار تاركًا إرثًا دبلوماسيًا ضخمًا.. وسيرة لرجل فضل البقاء في الظل ليمسك بخيوط اللعبة السياسية ببراعة، متجنبًا أضواء المناصب التنفيذية ، مكتفيًا بلقب «المستشار» الذي منحه نفوذًا تجاوز في كثير من الأحيان نفوذ الوزراء... كان بسيطًا متواضعًا مترفعًا، وكان من عشاق مصر الكبار.. ودّعت مصر أسامة الباز، وإن بقي حيًا في ضميرها عطاءً وحضورًا ومكانة..

..ويبقى الشعر

نسيتُ ملامحَ وجهى القديمْ..
ومازلتُ اسألُ : هل من دليلْ ؟!!
أحاولُ أن أستعيدَ الزمان
وأذكر وجهى...
وسُمرة َجلدى...
شُحوبى القليلْ
ظلالُ الدوائرِ ِفوق العيونْ
وفى الرأسٍ يعبثُ بعضُ الجنونْ
نسيتُ تقاطيعَ هذا الزمانْ
نسيتُ ملامحَ وجهى القديمْ

***

عيونى تجمَّدَ فيها البريقْ
دَمى كان بحرا
تعثر كالحلمِ بين العروقْ..
فأصبح بئرا
دمى صار بئرا
وأيامُ عمرى حطامٌ غريقْ..
فمى صار صمتًا.. كلامى مُعادْ
وأصبح صوتى بقايا رمادْ
فما عدتُ انطقُ شيئا جديدا
كتذكار صوت.. أتى من بعيدْ
وليس به أىُّ معنى جديدْ
فما عدتُ أسمع غيرَ الحكايا
وأشباحُ خوف برأسى تدورْ
وتصرخُ فى الناسِ
هل من دليلْ ؟
نسيتُ ملامح وجهى القديم


***


لأنَّ الزمانَ طيورٌ جوارحْ
تموتُ العصافيرُ بين الجوانحْ
زمانٌ يعيش بزيف ِالكلامِ
وزيف ِالنقاءِ ... وزيف المدائحْ
حطام ُالوجوه على كل شئ
وبين القلوب تدورُ المذابحْ
تعلمتُ فى الزيف ألا أبالى
تعلمتُ فى الخوفِ ألا اسامحْ
ومأساةُ عمرى.. وجهٌ قديمْ
نسيتُ ملامحَه من سنينْ


***


أطوفُ مع الليلِ وسط الشوارعْ
وأحملُ وحدى همومَ الحياهْ
أخاف فأجرى.. وأجرى أخافُ
وألمحُ وجهى.. كأنى أراهْ
وأصرخ ُفى الناسِ هل من دليلْ؟!!
نسيتُ ملامحَ وجهى القديمْ


***


وقالوا..
وقالوا رأيناكَ يوما هنا
قصيدةَ عشقٍ ٍهوتْ.. لم تَتمْ
رأيناكَ حلما بكهفٍ صغير
وحولكَ تجرى .. بحارُ الالمْ
وقالوا رأيناكَ خلف َالزمانِ
دموعَ اغترابٍ .. وذكرى ندمْ
وقالوا رأيناكَ بين الضحايا
رُفاتَ نبىً مضى .. وابتسمْ
وقالوا سمعناكَ بعد الحياةِ
تُبشًّر فى الناسِ رغم العدَمْ
وقالوا..وقالوا .. سمعتُ الكثيرْ
فأين الحقيقةُ فيما يقالْ ؟
ويبقى السؤالْ..
نسيتُ ملامح وجهى القديمْ
ومازلتُ أسألُ ..هل من دليلْ ؟!!
مضيتُ أُسائل نفسى كثيرا
تُرى أين وجهى .. ؟!!
وأحضرتُ لونا ...وفرشاةً رسم ٍ..
ولحنـًـا قديمْ
وعدتُ أُدندنُ مثل الصغارْ
تذكرتُ خَطـًا
تذكرتُ عينـًا
تذكرتُ أنفـًا
تذكرتُ فيه البريقَ الحزينْ
وظلٌّ يدارى شحوبَ الجبينْ
تجاعيدَ تزحفُ خلفَ السنينْ
تذكرتُ وجهىَ
كلَّ الملامح.. كلّ الخطوطْ
رسمتْ انحناءاتِ وجهى
شُعيرات ِرأسى على كل بابْ
رسمتُ الملامحَ فوق المآذِنِ..
فوق المفارقِ..بين الترابْ
ولاحت عيونى وسط السحابْ
وأصبح وجهى على كلَّ شئ رُسوما..رُسومْ
ومازلتُ أرسمُ .. أرسمُ .. أرسمْ
ولكنَّ وجهى َما عاد وجهى..
وضاعت ملامحُ وجهى القديمْ.

قصيدة «وضاعت ملامح وجهى القديم سنة 1983»

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أسامة الباز صوت الحكمة فى سلطة القرار أسامة الباز صوت الحكمة فى سلطة القرار



GMT 22:04 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

لبنان المخاوف… والخوف الكبير

GMT 22:03 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

انقلاب السحر على الساحر في إيران!

GMT 22:02 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

بحثا عن أفق سياسي بين سوريا وإسرائيل…

GMT 21:57 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

إذا اعتمدنا على أخلاق ترامب

GMT 21:54 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

أول يوم مجلس نواب

GMT 21:47 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

DNA الكرة المصرية!

GMT 21:45 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

اللاعب رقم (13) فى السنغال

GMT 09:48 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

قوة اسرائيلية فجرت منزلا ببلدة كفركلا في جنوب لبنان

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 22:16 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

نقص الزنك يزيد خطر الإصابة بالتهابات المسالك البولية
  مصر اليوم - نقص الزنك يزيد خطر الإصابة بالتهابات المسالك البولية

GMT 19:41 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

ترامب يهدد بتفعيل قانون التمرد لقمع احتجاجات مينيابوليس
  مصر اليوم - ترامب يهدد بتفعيل قانون التمرد لقمع احتجاجات مينيابوليس

GMT 16:01 2025 السبت ,26 تموز / يوليو

زياد الرحباني نغمة معترضة على سلّم النظام

GMT 02:51 2025 الإثنين ,07 تموز / يوليو

نصائح لتصميم مطبخ مشرق وواسع الإحساس

GMT 09:09 2020 الإثنين ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سعر الدولار في مصر اليوم الإثنين 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2020

GMT 06:42 2020 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

أول رد فعل من مرتضى منصور على قرار اللجنة الاوليمبية

GMT 10:31 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

تعداد سكان مصر يسجل 99810019 نسمة في الدقائق الأولى من 2020

GMT 12:49 2019 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

عمرو زكي يطمئن جمهوره بعد تعرّضه لحادث سير

GMT 23:10 2018 الأربعاء ,12 كانون الأول / ديسمبر

عمرو سعد يسافر إلي لبنان من أجل تصوير "حملة فرعون"

GMT 10:01 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

مي عبد اللاه تؤكّد أن أدب الرعب يُمكن أن يؤثّر على الشخص

GMT 20:23 2018 الأحد ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

تضارب الأنباء حول طلاق جورج كلوني وأمل علم الدين

GMT 06:57 2018 الإثنين ,29 تشرين الأول / أكتوبر

محكمة جنايات القاهرة تستدعي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك

GMT 23:39 2018 الأحد ,14 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على ألوان مكياج العيون الرائجة في الخريف والشتاء

GMT 02:41 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

هبة قطب تكشف علاقة نوع الغذاء بالشهوة الجنسية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt