تعرضت الشعوب العربية لعاصفة شديدة القسوة فى السنوات الأخيرة، كانت سببا فى أزمات حادة تعرضت لها فى الأمن ومطالب الحياة وأعباء المعيشة والموارد الضائعة. كانت وراء هذه الأزمات قوى خارجية اقتحمت سلطة القرار وفرضت وصايتها على موارد الشعوب، واستطاعت أن تفرض نوعا من الهيمنة دون مراعاة لحق الشعوب فى الأمن والاستقرار والحرية..
ــــ استطاعت القوى الخارجية تقسيم الشعوب العربية وغرست بينها الفتن والمؤامرات التى وصلت إلى الحروب الأهلية التى قسمت الشعب الواحد إلى جزر متصارعة، وكان الهدف السيطرة على الموارد خاصة البترول وإشعال الحروب فى أكثر من دولة.. وتدخلت القوى الأجنبية وعادت تمارس أسوأ أنواع الاستعمار فى وجهه القديم، وكانت النتيجة صورة جديدة من صور الاحتلال القديم فى قهر الشعوب وكسر إرادتها..
ــــ شهدت السنوات الأخيرة حروبا أهلية فى أكثر من دولة عربية، وشاركت قوات أجنبية فى هذه الحرب واستولت على ثروات الشعوب، وكانت تجارة السلاح من أهم موارد تمويل هذه الحرب.. لم تكتف القوى الأجنبية الغاشمة باحتلال الأرض وفرض الوصاية واستنزاف الموارد، ولكنها دفعت إسرائيل ، الكيان الصهيونى المغتصب، ليمارس كل أنواع البطش والوحشية ضد الشعوب العربية، وساندت قوى الطغيان مشروع إسرائيل التوسعى..
ــــ ودخلت القوات الأجنبية لأكثر من دولة من الأرض العربية فى ليبيا والسودان ولبنان والعراق واليمن وسوريا، وما زالت هذه الدول تشهد وجودا أجنبيا محتلا وحروبا أهلية. ألقت قوى الشر مسئولية إشعال الدول العربية إلى إسرائيل، وكانت مأساة غزة واحدة من أكبر جرائم العصر، فقد دمرت إسرائيل غزة أمام صمت وتآمر دولى وصل إلى القتل جوعا وتدمير كل المنشآت والبيوت والجامعات والمدارس، بجانب آلاف الشهداء من الأطفال والمصابين.. كانت غزة قمة المأساة، وما زالت دماء أطفالها تتدفق على وجه قوى الوحشية والدمار. لم ينته مسلسل القوى الغاشمة التى استباحت كل شيء أرضا وشعوبا حتى وصلت إلى حرب أمريكا وإيران، ولم تنتصر وحشية القتلة، وانتصرت إرادة شعب صمد وحارب ولم يفرط فى أرضه وتاريخه وكرامته.
ــــ لا أحد يعرف مستقبل الصراع فى العالم العربى، وإن كانت هناك قضايا لم تحسم، فى مقدمتها البترول، فما زالت قوى الطغيان تسعى للسيطرة عليه ولن تتراجع فى ذلك. هناك إسرائيل ومشروعها التوسعى فى الأرض والنفوذ والسيطرة، ولديها أطماع فى أكثر من دولة، وهى الآن لم تعد تسعى للسلام، فقد جربت أساليب الردع والقوة ولن تتخلى عن مشروعها حتى لو تخلى عنها شركاء المأساة.. تبقى أمامنا حالة الضعف والاستسلام التى تعانيها الشعوب العربية، وبرامج التطبيع والدين الإبراهيمى والأفكار التوسعية التى يتبناها حشود من المتآمرين ضد أوطانهم.ــــ الخلاصة أن أحداث السنوات الماضية أجهضت تماما فكرة السلام، وأن الدماء العربية التى تدفقت فى أكثر من مكان لن تكون أرضا صالحة لسلام عاجز، وأن انقسام الدول العربية وما وصلت إليه أحوالها من الحروب والفتن لم يعد أرضا صالحة لسلام عادل، وأن القوى الغاشمة قد نجحت فى تشتيت القدرات العربية وفرضت إرادتها على كل ما يجرى من الأحداث. وحين تتوحد كلمة الشعوب العربية وتتجاوز أزماتها وخلافاتها وتنتهى محنة الحروب الأهلية وتسيطر الشعوب على مواردها وثرواتها، ربما استطاعت أن تستعيد قوتها وتواجه قوى الشر والوحشية.
ــــ لقد عاشت الشعوب العربية فترة عصيبة فى السنوات الأخيرة ما بين الحروب الأهلية وضياع الموارد والفقر والاحتلال والانقسام، ودفعت ثمنا غاليا، وكانت الهجمات الوحشية من قوى الشر أخطر ما يهدد وجودها. لقد أصبح السلام حلما مستحيلا أمام قوى غاشمة تعيد عصور الاحتلال والتبعية ونهب ثروات الشعوب، ولا بديل أمام الشعوب العربية الآن غير أن تحمى أرضها وتدافع عن تاريخها وحضارتها وتدرك أنه لا مستقبل للضعفاء، وعليها أن تستعيد قدراتها وإرادتها.
إن ما تعرضت له الشعوب العربية من المحن والأزمات يفرض عليها أن تعيد حساباتها فى قضايا كثيرة..
إن البترول أصبح هاجسًا يطارد القوى الكبرى، ويمثل احتياجًا ضروريًا لا يمكن التخلى عنه..
إن الشعوب العربية لن تلحق بالمستقبل إلا إذا تخلت عن حالة التشرذم والانقسامات التى وصلت إلى الحروب الأهلية..
إن العالم العربى يواجه قوى غاشمة لن تتخلى عن أطماعها أرضًا وموارد ونفوذًا.
إن أى حسابات تدخل فيها إسرائيل حسابات خاطئة، لأن أطماع إسرائيل تجاوزت كل الحدود.
إن العالم العربى فى حاجة إلى الحرية والوعى والكرامة حتى يواجه تحديات المستقبل ويستعيد دوره ومكانته بين شعوب العالم.
إن انقسام العالم العربى والحروب الأهلية التى اجتاحت شعوبه كارثة تاريخية يجب تجاوزها، لأن إعادة بناء ما خربته الحرب كان ثمنه غاليًا..
ـــــ إن مسلسل القوة الغاشمة لم ينتهِ بعد، والاتفاق بين إيران وأمريكا لم يحسم الصراع، ولن يوقف أطماع إسرائيل فى الأرض العربية، فما زالت غزة تعانى الاحتلال، وما زال لبنان ينزف، ولا أحد يعرف مستقبل غزة الغامض، ولا لبنان المحتل، وما هى آخر أطماع القوى الغاشمة فى الدول العربية.. آخر ما تطالب به قوى الشر أن تتحمل الدول العربية تكاليف الحرب مع إيران، وهى تقدر بالمليارات، مع التطبيع مع إسرائيل والتوقيع على اتفاقية الدين الإبراهيمى. هذه آخر مطالب القوى الغاشمة التى تحاصر الشعوب العربية حربا ونهبا واحتلالا. إنه اختيار بين الموت قتلا والموت ذلا واستسلاما، ولنا أن نتصور المدى الذى وصل إليه جبروت القوى الغاشمة التى تعربد فى بلاد الله وتفرض وصايتها على الشعوب الآمنة.
ويبقى الشعر
وعَلمتـَنـَا العِشْقَ قبلَ الأوَانْ
فـَلمَّا كـَبـِرْنـَا.. ودَارَ الزَّمانْ
تبرَّأتَ منـَّا.. وأصبَحْتَ تنـْسي
فـَلم نـَرَ فِى العشْق غير الهَوانْ
عَشِقـْناك يا نيلُ عمرًا جميلا
عَشِقـْناك خَوْفـًا.. وَليْلا ًطويلا
وهَبْنـَاكَ يَومًا قلوبًا بَريئـَهْ
فـَهلْ كانَ عِشْقــُكَ بعضَ الخَطِيئهْ ؟!
◙ ◙ ◙
طـُيوركَ ماتتْ..
ولم يبقَ شيءٌ على شاِطـئـَيـْـكَ
سِوَى الصَّمتِ.. والخوفِ.. والذكرياتْ
أسِافرُ عنكَ فأغُدو طـَلِيقا..
ويسقط ُ قيْدِي
وأرجعُ فِيكَ أرَى العُمرَ قبرًا
ويصْبحُ صَوْتِى بقايَا رُفاتْ
◙ ◙ ◙
طيوركَ ماتـَتْ..
ولم يبقَ فِى العشِّ غيرُ الضحَّايا
رمادٌ منَ الصُّبح.. بعضُ الصِّغارْ
جَمعتَ الخفافِيشَ فِى شَاطِئيـْـكَ
وماتَ علـى العينِ .. ضوءُ النـَّهارْ
ظلامٌ طويلٌ على ضِفتيكَ
وكلُّ مياهكَ صارتْ دماءَ
فكيفَ سَنشَربُ منكَ الدِّماءْ ..؟
◙ ◙ ◙
تـُرى مَنْ نعاتبُ يا نيلُ ؟ قـُلْ لِى ..
نعاتب فيكَ زمانـًا حزينـًا ..
منحناهُ عمرًا.. ولمْ يُعطِ شيئـًا..
وهل ينجبُ الحزنُ غير الضياعْ
تـُرى هل نعاتب حلمًا طريدًا .؟
تحطم بين صخور المحالِ..
وأصبح حلما ذبيح الشراع
تـُرى هل نعاتبُ صبحًا بريئـًا..
تشردَ بين دروبِ الحياة ِ
وأصبحَ صبحًا لقيط َ الشعاعْ؟
تـُرى هل نعاتبُ وجهًا قديمًا
توارى مع القهر خِلف الظلام ِ
فأصبح سيفـًا كسيحَ الذراعْ ؟
تـُرى من نعاتب يا نيل ؟ قـُلْ لِى..
ولم يَبق فى العمر الا القليلْ
حملناك فى العْين حباتِ ضوءٍ
وبين الضلوع ِ مواويلَ عشق..
وأطيارَ صبح تناجى الأصيلْ
فإن ضاعَ وجهيَ بين الزحام ِ
وبعثرتُ عمرى فى كل ِ أرض..
وصرت ُ مشاعًا.. فأنتَ الدليلْ
تـُرى مَنْ نعاتبُ يا نيلُ ؟.. قـُلْ لِى..
وما عادَ فِى العمْر وقت ٌ
لنعشَقَ غيرَكَ.. أنت َالرَّجاءْ
أنعشَقٌ غيرَكْ ..؟
وكيف؟.. وعشقـُكَ فينـا دِماءْ
تروحُ وتغـُدو بـِغير انتهاءْ
◙ ◙ ◙
أأسافرُ عَنـْكَ
فألمحُ وجْهَكَ فِى كلِّ شيءٍ
فيغدُو الفناراتِ.. يغدُو المطاراتِ
يغدُو المقاهِى..
يسدُّ أمامِيَ كلَّ الطـُّرق
وأرجعُ يا نيلُ كيْ أحْترقْ
◙ ◙ ◙
وأهربُ حينـًا
فأصبحُ فى الأرض ِطيفـًا هزيلا
وأصرخ فى النـَّاس.. أجْرى إليهم
وأرفـَعُ رأسِى لأبدُو مَعَكْ
فأصْبحُ شيئـًا كبيرًا.. كبيرًا
طويناكَ يا نيلُ بينَ القـُلوب
وفينـَا تـَعِيشُ.. ولا نـَسْمُعُكْ
تمزِّقُ فينـَا..
وتدركُ أنك أشعَـلـْتَ نارًا
وأنك تحرق فى أضلـُعِكْ
تعربدُ فينا..
وتدْركُ أن دمَانـا تسيلُ..
وليسَتْ دِمَانا سِوى أدمُعِكْ
تركتَ الخفافيشَ يا نيلُ تلـْهُو
وتعْبثُ كالموتِ فى مَضجَعِكْ
وأصبحتَ تحيَا بصمت ِ القبور
وصوتِى تكسَّر فِى مسمَعِكْ
لقـْد غبتَ عنـَّا زمانـًا طويلا ً
فقـُلْ لى بربك منْ يرجعُكْ؟
فعشـقٌكَ ذنبٌ.. وهجرُك ذنبٌ
أسافرُ عنكَ.. وقلـْبى مَعَكْ
قصيدة « أسافر منك وقلبى معك » سنة 1986
-----------------------------