بقلم:فاروق جويدة
كانت مشكلة صديقى أنه عاشق للمعرفة، يناقش ويختلف ويعارض أحيانًا، كان عاشقًا للغة العربية، يجيدها كلامًا ونطقًا وحوارًا، وكانت أزمته الحقيقية أن الوسط الذى يعمل ويعيش فيه يسخر منه كلما تحدث أو أبدى رأيًا، وكان يتحمل إهانات كثيرة من زملاء العمل حتى بعض أصدقائه..
فى الفترة الأخيرة دخل صديقى فى حالة حزن واكتئاب واعتزل الناس، وطلب إجازة من عمله وجلس فى بيته، وكان يفضل دائمًا أن يجلس وحيدًا.. ابتعد عنه الأبناء ولم يسأل عنه أحد من زملاء العمل، وضاقت أمامه كل الأشياء، وامتنع عن القراءة عشقه القديم.. أخذته ابنته وذهبت به إلى طبيب أمراض نفسية، حين جلس أمام الطبيب عاد يتكلم، قال للطبيب: «إن مشكلتى أننى أشعر بالغربة، أنا غريب بين الناس وفى العمل وفى الشارع، ولا أحد يسمع لى، حتى أبنائى شغلتهم الأيام عني، الحياة أصبحت موحشة، معاشى لا يكفى بضعة أيام من الشهر: أسعار الدواء وأعباء المعيشة.. الآن أعجز أن أساعد أبنائي، حتى مكافأة نهاية الخدمة يرفضون سدادها.. وسط هذا الجو الخانق والمجتمع المريض الذى فقد آدميته أنهيت علاقتى بالكتاب وكان أعز أصدقائي، ولم أعد أجد أحدًا يحاورني، أنا لم أفقد عقلى ولكننى فقدت إنسانيتى فى مجتمع فقد الرحمة.
إن أصعب الأشياء الآن أن يفقد الإنسان الرحمة والضمير، الرحمة تاج الإنسانية والضمير عدل البشر، ومنذ غابت الرحمة واختفى الضمير سيطر على العالم شبح مخيف يسمى المال».
انتهى كلام صديقي، ونظر الطبيب إلى ابنته وقال: «هذا المريض أعقل مريض زار هذه العيادة، ويبدو أن هذا حال العقلاء فى هذا الوطن.