بقلم:فاروق جويدة
فى حياتنا نماذج بشرية لن تتكرر، وينبغى ألا يفكر أحد فى استنساخها.
إن كل من غنى فى العالم العربى كان يرى فى نفسه أم كلثوم، وأصبحت كوكب الشرق تمثل عقدة لكل من يحترف الغناء، والمشكلة أن أم كلثوم جاءت خارج الزمن فى لحظة فريدة.
كانوا يقولون إن عبد الحليم حافظ يسد الطريق أمام المواهب الجديدة، وتمنى الكثيرون لو اختفى عبد الحليم.
ومات المبدع الكبير، ولم يظهر عبد الحليم آخر.
هناك نسخ وحيدة لا يجود الزمان بغيرها.. وقد عانى حليم كثيرا من المرض، وكثيرا ما كان يقيم الحفل ويغنى وهو ينزف.
وأذكر أننى زرته يوما، كان ينام فى غرفة نومه وكأنه فى غيبوبة.
وفى آخر حفلاته، عندما غنى قارئة الفنجان، وهى آخر ما غنى، كان صوته حزينا وهو يردد كلمات نزار:
«وسترجع يوما يا ولدي
مهزوما مكسور الوجدان
وستعرف بعد رحيل العمر
بأنك كنت تطارد خيط دخان
ما أصعب أن تهوى امرأة يا ولدى بلا عنوان»
كانت هذه آخر ما غنى حليم، واتصلت به أهنئه على القصيدة الجميلة الحزينة، وكان آخر حديث بيننا.
وسافر إلى لندن، وكانت نهاية الرحلة، ولم يأت عبد الحليم آخر...
وهناك الطبيب العالمى مجدى يعقوب، وهو أيضا غير قابل للاستنساخ، وأمامنا أحمد زويل، لأنه حالة فريدة، ولكن البعض تصور أن التكرار ممكن، وما حدث مع هذه الرموز فى المجالات المختلفة قابل للاستنساخ.
كان عندنا نجيب محفوظ واحد، ولن يكون له شبيه، وكان عندنا عبد الوهاب والسنباطى وبليغ، وهو ثلاثى لن يتكرر، وكان عندنا أمير الشعراء أحمد شوقى، ولن يكون له شبيه.
الخلاصة أن كل صاحب موهبة يجب أن يقتنع بما يملك، ولا داعى لاستنساخ مواهب لن تتكرر، لأن للقدرات حدودا، ولكل موهبة حساباتها وظروفها ونشأتها، وكل موهبة لها مساحتها.
وفى مسابقات السباحة هناك سباحة المسافات القصيرة وسباحة المسافات الطويلة، وكل مسافة لها فرسانها وقدراتها، ولا تعارض بينها، ولهذا يجب أن يفكر فى المساحة التى يمكن أن يملأ الفراغ فيها.
لا، فالإبداع شروطه قاسية، وللقدرات حدود وحسابات، وهى تشبه الأرزاق، فلكل إنسان ما كتبه الله له، فلا تنظر فى مواهب الآخرين، وانظر فيما تستحق.