سيطرت سطوة المال على كل جوانب الحياة فى العالم، فى الفن والغناء والمصارعات والبورصات والطب والأدوية، لا شيء الآن يعمل دون سيطرة المال، حتى وصل إلى مضاربات كرة القدم وأسواق المصارعة.. وما حدث أخيرا فى كأس العالم فى أمريكا كان دليلا على أن نتائج المباريات تحكمها المضاربات، والدليل مباراة مصر والأرجنتين، ثم مباراة المغرب وفرنسا، وكان خروج البرازيل والبرتغال أكبر دليل على سطوة رأس المال.
ـــــ وعلى جانب آخر، فإن بورصة أسعار اللاعبين تجاوزت كل حدود العقل، فقد وصلت إلى مئات الملايين من الدولارات، وهناك معارك تدور بين الأندية الكبرى حول أسعار اللاعبين. لم تعد كرة القدم مجالا للمتعة والرفاهية، ولكنها مزادات وصفقات تشبه صفقات تجارة السلاح. وما بين أسواق السلاح ومزادات كرة القدم وأسعار اللاعبين، أصبح المال سلطانا على الجميع.. فى كأس العالم فى أمريكا هذا العام تكشفت حقائق كثيرة، أن كرة القدم لم تعد الهدف، ولكن المال أصبح سيد العالم وصاحب الكلمة فيه.
ــــ كان كأس العالم دائما عرسا رياضيا تلتقى فيه الشعوب، وتتنافس فيه المنتخبات، وتبقى الكلمة الأخيرة لقدرات اللاعبين وعدالة الحكام.. ولكن ما شهده مونديال 2026، المقام فى الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، كشف عن وجه آخر للعبة لم يكن خافيا، ولكنه لم يكن بهذا الوضوح.. فقد تجاوزت الأحداث حدود المستطيل الأخضر، واختلطت الرياضة بالسياسة والمال والنفوذ والمراهنات، حتى أصبحت البطولة مسرحا لصراعات لا تقل ضراوة عما يدور داخل الملاعب.. ومع التوسع التاريخى للبطولة لتضم ثمانية وأربعين منتخبا، لم تتسع المنافسة وحدها، ولكن اتسعت معها دوائر النفوذ، وتعددت المصالح، وازدادت علامات الاستفهام حول مستقبل اللعبة الأكثر شعبية فى العالم..
ــــ وكان أخطر ما شهدته البطولة ذلك التدخل السياسى غير المسبوق فى قرارات اللعبة، بعدما تعرض مهاجم المنتخب الأمريكى للطرد فى مباراة منتخب بلاده أمام البوسنة والهرسك، بعد تدخل عنيف استوجب البطاقة الحمراء عقب مراجعة تقنية الفار. وكان من الطبيعى أن يطبق عليه الإيقاف فى المباراة التالية وفقا للوائح البطولة. ولكن المفاجأة جاءت من خارج الملاعب، عندما أعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أنه أجرى ثلاثة اتصالات مع رئيس الاتحاد الدولى لكرة القدم «جيانى إنفانتينو» مطالبا بإعادة النظر فى قرار الطرد، وواصفا العقوبة بأنها غير عادلة، ومشككا فى سلامة القرار التحكيمى.. ثم جاءت المفاجأة الأكبر عندما أعلن الفيفا تجميد تنفيذ عقوبة الإيقاف، والسماح للاعب بالمشاركة فيما وصف بمرحلة اختبار، وهو قرار لم يكن مجرد إجراء إدارى، ولكنه فتح بابا واسعا للتساؤل حول حدود استقلال قرارات الاتحاد الدولى، وحول قدرة السياسة على الوصول إلى أكثر المؤسسات الرياضية نفوذا فى العالم.. ورغم مشاركة اللاعب فى المباراة، فإن المنتخب الأمريكى خسر أمام بلجيكا وخرج من البطولة، ولكن الجدل بقى حاضرا، .. وقد جاء رد الفعل غاضبا، من عشاق اللعبة من القرار، واعتبر مساسا بمبدأ تكافؤ الفرص، وخروجا على قواعد العدالة الرياضية، بينما رأى كثيرون أن ما حدث يمثل سابقة خطيرة تهدد استقلال التحكيم، وتمنح أصحاب النفوذ فرصة للتدخل فى نتائج المنافسات إذا امتلكوا القوة والسلطة.
ـــ ولم تكن هذه هى الأزمة الوحيدة التى واجهت البطولة، فقد أثارت تقنية الفار هى الأخرى موجة جديدة من الجدل بعد التعديلات التى أدخلت على صلاحياتها. فبدلا من أن تكون وسيلة لتصحيح الأخطاء الواضحة، تحولت فى كثير من المباريات إلى شريك فى صناعة الأزمات، بعدما أصبحت تراجع حالات لم تكن تدخل ضمن اختصاصها من قبل، وبعض الكرات التى سبقت تسجيل الأهداف، وهو ما أدى إلى إلغاء أهداف، واحتجاج عدد من المنتخبات التى رأت أن أخطاء بسيطة وغير مؤثرة أصبحت سببا فى تغيير نتائج المباريات، وأن الحكم لم يعد يحكم بعينيه داخل الملعب بقدر ما أصبح ينتظر ما تقوله له الشاشات.
ــــ ومن وراء هذه الأحداث كلها كان المال يواصل زحفه على كرة القدم، فقد كشفت تقارير دولية عن اتساع غير مسبوق فى أسواق المراهنات الرياضية بالتزامن مع البطولة، وعن استغلال شبكات الجريمة المنظمة لهذه الأسواق فى عمليات غسيل الأموال، من خلال ضخ ملايين الدولارات عبر حسابات وهمية، ثم سحبها فى صورة أرباح تبدو مشروعة، بينما تخفى وراءها أموالا جاءت من أنشطة غير قانونية.. ولم تعد الملاعب وحدها هى التى تشهد المنافسة، ولكن امتدت المنافسة إلى بورصات المراهنات التى أصبحت تتحكم فى مليارات الدولارات مع كل مباراة.
ــــ ولم يتوقف الأمر عند حدود المراهنات وغسيل الأموال، بل امتد إلى الضغوط التى يتعرض لها الحكام فى ظل المصالح المالية الهائلة التى تحيط بالبطولة. فقد أشارت تقارير ومناقشات دولية إلى ارتفاع غير مسبوق فى قضايا التلاعب المرتبطة بكرة القدم، نتيجة اتساع نشاط شبكات المراهنات غير المشروعة، وتداخل مصالح رجال المال مع إدارة اللعبة، وهو ما جعل بعض الحكام يقفون أمام إغراءات وضغوط لا علاقة لها بالرياضة ولا بروح المنافسة، وإنما ترتبط بمصالح مالية ضخمة تبحث عن ركلة جزاء، أو بطاقة صفراء، أو قرار تحكيمى يغير مسار مباراة، ويحقق أرباحا بملايين الدولارات.
ــــ لقد كانت كرة القدم فى يوم من الأيام رسالة تحمل المتعة، وتجمع الشعوب، وتغرس قيم المنافسة الشريفة، أما اليوم فقد أصبحت تجارة لها أسواقها ومزاداتها وصفقاتها، وتداخلت فيها السياسة مع المال ومع التكنولوجيا، حتى أصبح من الصعب أن نعرف أين تنتهى الرياضة وأين تبدأ المصالح. وإذا كانت هذه الأحداث قد كشفت شيئا، فإنها كشفت أن المعركة الحقيقية لم تعد بين المنتخبات داخل الملاعب، ولكنها أصبحت معركة من أجل أن تبقى كرة القدم لعبة نظيفة لا تتحكم فيها السياسة، ولا تشتريها المراهنات، ولا يفرض المال كلمته على الملايين من عشاقها فى كل مكان.. كان كأس العالم فى أمريكا درسا ثقيلا على الجميع فى نتائجه، وتلاعب الحكام فيه، ومراهناته، وسطوة المال فيه، وقد فتح أبوابا كثيرة للفساد والنتائج الغامضة..
ــــ إن ما حدث مع فريق مصر القومى تحول إلى مواجهة سياسية، لأن حسام حسن رفع علم فلسطين وطالب بإنقاذ أطفال غزة من الموت والجوع، وهذه مطالب تتعارض تماما مع الإرهاب الإسرائيلى والدعم الأمريكى وأصوات اليهود فى أمريكا والمال الصهيونى الذى يحاصر العالم. إن موقف إسرائيل فى مباراة مصر والأرجنتين تحول إلى معركة سياسية استخدمت فيها كل الأساليب، ولم يبق غير اقتحام غزة. لقد كشفت كرة القدم وكأس العالم فى أمريكا صورة من صور الحروب الكروية والإعلامية التى يديرها المال، ولعل هذا يكون إحدى صور الصراع القادم.. أشعلت مباراة بين مصر والأرجنتين معركة مع إسرائيل، وحركت أهل غزة، وعادت القضية الفلسطينية تهز أركان العالم مرة أخرى، ورجعت الذاكرة العربية إلى نصر أكتوبر، وخط بارليف، والعبور، ومعارك الطيران والدبابات، وقادة مصر العظام.. فى زمن اختلت فيه موازين الأشياء وأصبح الظلم عدلا والحرية شعارا كاذبا والأخلاق ملاذا غير آمن سقطت الرياضة أمام سلطان المال وفساد السياسة وجبروت الأهواء والرغبات..
ويبقى الشعر
تغيبينَ عنـي..
وأمضى مع العُمر مثلَ الســـحابِ
وأرحلُ فى الأفقِ بينَ التمنِّــي
وأهربُ منكِ السنينَ الطوالَ
ويوماً أضيعُ.. ويومَاً أغنِّــي..
أسافرُ وحدى غريباً غريبا
أتوه بحلمى وأشقى بفنِّــي
يولَـدُ فينا زمانٌ طريدٌ
يخلِّفُ فينا الأسي.. والتجنيّ..
ولو دمَرتنا رياحُ الزمانِ
فما زال فى اللـحنِ نبضُ المُـغنّي
تغيبينَ عني..
وأعلمُ أنَّ الذى غابَ قلبــــي
وأنى إليكِ .. لأنـكِ منِّـي
◙ ◙ ◙
تغيبينَ عني..
وأسألُ نفسى تُـرى ما الغيابْ ؟
بعادُ المَكانِ .. وطولُ الســفرْ!
فماذا أقول وقد صرتِ بعضي
أراكِ بقلـبـــي.. جميعَ البشـَــــرْ
وألقاكِ.. كالنور مأوَى الحياريَ
وألحانَ عمرٍ شجيِّ الوترْ
وإنْ طالَ فينا خريفُ الحياة
فما زال فيكِ ربيعُ الزهرْ
◙ ◙ ◙
تغيبين عني..
فأشتاقُ نفسي
وأهفو لقلبـــى على راحتيكِ
نتوهُ .. ونشتاقُ نغدو حَياري
وما زال بيتــَي.. فى مقلتيـكِ ..
ويمضى بيَ العـمـر فى كـل دربٍ
فأنسى همومى على شاطئيكِ ..
وإن مزقتنا دروبُ الحياة
فما زلتُ أشـــعر أنى إليكِ ..
أســـافرُ عمرى وألقاكِ يوما
فإنى خُلقتُ وقلبى لديكِ ..
◙ ◙ ◙
بعيدان نحنُ ومهما افترقنا
فمازال فى راحتيكِ الأمانْ
تغيبين عنى وكم من قريبٍ ..
يغيبُ وإن كان ملءَ المكانْ
فلا البعـدُ يعنى غيابَ الوجوه
ولا الشَّـــوقُ يعرفُ .. قيدَ الزمانْ