ينتابني في هذه الأيام إحساس غريب تجاه الأشياء، كل الأشياء.. في زمان مضى كان الإنسان يشغل نفسه بما يدور حوله من الأحداث وربما القضايا ، وكان السؤال يقترب كثيرا من مناطق محظورة، بل محرمة أحيانا ، وكان المناخ يسمح لأن الأفق كان أكبر وأوسع من كل المحاذير التي تفرضها الظروف.. كان من الممكن أن نناقش كل القضايا بلا حسابات أو مخاوف أو ظنون..
ــــ كانت قضايا الدين تجد اهتماما كبيرا لأن المسموح كان أكبر من المتاح، ولم يكن غريبا أن تجد طفلا يسألك: أين الله؟ ولم يكن من الضروري أن تجد الإجابة، ويكفيك اليقين.. وكانت الأوراق تختلف أحيانا بل وتتضارب، ولكن كنا نجد من يحتوي دهشتنا حتى لو تجاوزت.. وكانت السياسة تأخذ النصيب الأول حين تغيب الحقيقة ويصعب السؤال، كانت السياسة هي المجال الخصب لتعارض الأفكار وتناقض المواقف.. كنا نعاني حدود المسموح، وتعلمنا أن نقبل الأشياء حتى ولو كانت خارج أحلامنا. ورغم متاريس السياسة كنا نتعامل بالكثير من الحذر حتى لا يكون الثمن أكبر من قدرتنا على الاحتمال.. وما بين قضايا الدين والسياسة فرضت علينا الأقدار كثيرا من التنازلات في المواقف حتى يبقى السؤال مطروحا، ولا يدخل مناطق الصدام أو الرفض أو العقاب.. إن الغريب أن السؤال بقي يقاوم التحدي والظروف، ومرت بنا سنوات العمر ونحن نقاوم جوانب الضعف فينا..
ــــ كانت التحولات في مسيرة الأحداث والأشياء أكبر من قدرتنا على البقاء في صدارة المشهد، خاصة أن هناك من دفع الثمن، وهناك من انسحب في هدوء.. وإن اجتمع الجميع على عدم جدوى السؤال، كان من الصعب والمستحيل أن يظل السؤال قائما رغم الحصار الذي لم يعد قيدا محدودا، ولكنه تحول إلى إعصار يهدد كل شيء.. كان غريبا أن الأرض استكانت، وأن البشر استسلموا، وأن السؤال بدأ في الانسحاب، وإن ترك بعده فراغا طويلا، فلم يعد له مكان وسط تكدس الناس وحالة الصخب التي اجتاحت كل شيء. وأصبح الأعلى صوتا في مقدمة المشهد، والأكثر ضجيجا أكثر حضورا وتأثيرا..
ـــ كانت هناك أياد خبيثة تعبث في الظلام وتحرك الأشياء، وكان الهدف أن تسود حالة من الصمت تخرس كل الأصوات بحيث يختفي السؤال.. تراجعت لغة الحوار واختفت منابر الدهشة، ولم تعد الأشياء كما كانت.. اختلفت مواقع الناس، وظهرت سلوكيات غريبة بين الناس، حتى الحدائق تغيرت، والطيور هاجرت، وانتشرت وجوه غريبة لا تنطق ولا تتكلم ولا تسمع، وزادت أعداد البشر الذين لا يتكلمون.. وهنا بدأ الصدام بين فرسان الحقيقة ودعاة الصمت، وكان السؤال هو أول الضحايا. وسادت حالة من الخوف لأن السؤال تحول إلى جريمة مكتملة الأركان، وظهرت سلوكيات غريبة. الناس لا يتكلمون ويسيرون في الشوارع، لا أحد يعرف الآخر، واختفى السؤال، فلا أحد يسمع الآخر..
ـــ وكل إنسان لديه سؤال أغلق باب بيته وجلس وحيدا يستعيد ذكريات عمر مضى حين كان يسأل وينطق ويصرخ. كانت مشكلة صاحب السؤال أنه حاول أن يعلم أبناءه الصغار كيف ينطقون، ولكن انقطع نور الكهرباء، وتخبط الأولاد وهم يبحثون عن مصدر النور ولم يجدوا شيئا..
ــــ على ضوء وناسة صغيرة جلست وحيدا أحسب سنوات العمر، وكم مرة حاولت أن أسأل ولم أجد الإجابة. وكان آخر عهدي بالسؤال حين طالبت بأن يسمعني أحد ولم أجد الإجابة.. من أصعب الأشياء في الدنيا أن تسأل ولا يسمعك أحد.. ماذا تفعل إذا وجدت الكون حولك وقد تحول إلى مكان غريب؟ الناس لا يتكلمون ولا يسمعون، وتحاول أن تساعدهم، ربما يفكرون، يرفضون، يصرخون، ولا تجد إلا رياح الصمت تعصف بكل شيء، والناس أمامك نائمون.. كان من الصعب بل من المستحيل أن أستسلم ويختنق السؤال في صدري. لم تكن المرة الأولى التي يصعب السؤال فيها، لأنني قضيت العمر أحمل آلاف الأسئلة ولم أجد الإجابة حتى الآن. ظلم شديد ألا يسمعك أحد، وظلم أشد ألا تجد الإجابة. ولك أن تتصور كيف سرقتك الأيام عاما بعد عام، ولا تجد من يسمع السؤال.
ـــ هناك أنواع من البشر لم تخنقهم الرياح والعواصف، ولكنهم ماتوا بسبب سؤال بلا إجابة، وهناك أوطان حجبت ضياء الشمس عن شعوبها فلم يجدوا عن سؤالهم إجابة. قد يبدو السؤال شيئا بسيطا، ولكن الحياة تبدأ بالسؤال وتنتهي حين لا تجد الإجابة.. الفرق كبير جدا بين من يملكون حق السؤال ومن حرموا منه.. حين يعز السؤال يضيق الأفق وتختل موازين الأشياء، واغتيال السؤال عقاب صارم وإهانة للحرية.. وهناك شعوب تقدمت بالسؤال، وشعوب أخرى دفعت الثمن لأنها فرطت في حقها المشروع في أن تسأل وتجد الإجابة.قد يبدو السؤال مجرد مساحة من الزمن والحيرة والبحث عن طريق، ولكنه أكبر من ذلك، إنه الأفق حين ينطلق، وهو القضبان حين تختنق، وهو الحقيقة، وهو الضوء حين يهبط الظلام على العيون فلا ترى، إنه منحة السماء حين تشتد العواصف وتثور الرياح..
ـــ أصعب الأشياء أن يفرط الإنسان في حقه في السؤال، ثم يفرط في كل حقوقه، وكثيرا ما جارت المجتمعات على شعوبها، فأصبح السؤال جريمة رغم أنه حق سماوي ملزم لا ينبغي التفريط فيه..
حين تضيق الأشياء ويتحول العالم إلى كتلة بشرية صامتة ويصبح السؤال حلما مستحيلا، أجلس مع نفسي وأذكر أياما كنا نسأل وندفع الثمن، ولكن السؤال الآن أصبح عبئا ثقيلا في عالم لا يسمع ولا يتكلم.
ويبقى الشعر
وجْهٌ جَمِيلٌ ..
طافَ فِى عَيْنى قليلا .. واسْتـَدارْ
فأراهُ كالعُشْبِ المسَافِر..
فِى جَبين ِ الأرْض يَزْهُو فِى اخْضِرَارْ
وتـَمرُّ أقـْدَامُ السنِين عَليهِ.. يَخـْبُو..
ثـُمَّ يسْقـُط فِى اصْفرَارْ
كمْ عِشْتُ أجْرى خـَلـْفـَهُ
رَغمَ العَواصِف..والشَّواطِئ.. والقِفـَارْ
هَلْ آنَ للحُلـْم المسَافِر أنْ يَكـُفَّ عَن ِالدَّوَارْ؟
يَا سِنـْدباد العَصْر.. ارجعْ
لمْ يَعُدْ فِى الحُبِّ شَىْءٌ غَيْرُ هَذا الانـْتـحَارْ
ارْجعَ.. فـَإنَّ الأرْض شَاخَتْ
والسّنونَ الخُضْرَ يَأكـُلـُهـا البَوَارْ
ارْجعْ.. فإنَّ شَوَاطئَ الأحْلام ِ
أضْنـَاهَا صُرَاخُ المَوْج مِنْ عَفـَن ِ البـِحَارْ
هَلْ آنَ للقـَلـْبِ الذى عَشقَ الرَّحِيلَ
بأنْ يَنـَامَ دَقيقةً .. مِثـْلَ الصِغـَارْ ؟
هلْ آنَ للوجْهِ الـَّذِى صَلـَبُوه فوقَ قِناعِهِ عُمْرًا
بأنْ يُلـْقِى الِقنـَاعَ الـُمسْتـَعَارْ؟
* * *
وَجْه جَمِيلٌ
طافَ فِى عَيْنى قليلا ً .. واسْتـَدَارْ
كانَ الوداعُ يُطلُّ مِنْ رَأسِى
وفِى العَيْنَين ِ سَاعَاتٌ تدُقُّ ..
وألفُ صَوْتٍ للقِطـَارْ
وَيْلى مِنَ الوجْه البَرىء ..
يغـُوصُ فى قلـْبى فيُؤلمُنى القرارْ
لمَ لا أسَافرُ
بَعْدَ أنْ ضاقتْ بى الشُّطآنُ..وابْتعَدَ المزارْ ؟!
يا أيُّها الوجه الذى أدْمَى فؤَادى
أىُّ شَىْءٍ فيكَ يُغْرينى بهَذا الانتظارْ ؟
مَا زالَ يُسْكرُنى شُعَاعُكَ ..
رَغـْمَ أنَّ الضَّوْءَ فى عَينىَّ نارْ
أجْرى فألمَحُ ألـْفَ ظلٍّ فِى خُطاىَ
فكيْفَ أنجُو الآنَ مِنْ هَذا الحِصَارْ؟
لِمَ لا أسَافِرُ ؟
ألفُ أرْض ٍتحْتـَوينِى.. ألـْفُ مُتـَّكإٍ.. ودَارْ
أنا لا أرَىَ شَيْئـًأ أمَامِى
غَيْرَ أشْلاءٍ تـُطاردُهَا العَواصِفُ.. والغـُبَارْ
* * *
كمْ ظلَّ يَخْدَعُنِى بَريقُ الصُّبح فِى عَيْنـَيْكِ ..
كـُنـْتُ أبيعُ أيَّامِى ويَحمِلـُنى الدَّمَارُ.. إلى الدَّمَارْ
قـْلبى الذَّى عـَلـَّمتـُهُ يَومًا جُنونَ العِشْق ِ
عَلــَّمَنِى هُمُومَ الانـْكسَارْ
كانتْ هَزَائِمُهُ عَلى الأطـْلال ِ..
تـَحْكِى قِصَّة القـَلـْبِ الـَّذِى
عَشقَ الرَّحيلَ مَعَ النـَّهَارْ
ورَأيْتـُهُ نـَجْمًا طريدًا
فِى سَمَاءِ الكـَوْن ِ يَبْحَثُ عَنْ مَدارْ
يَا سِنـْدبَادَ العَصْر
عهْدُ الحُبِّ ولــّى..
لنْ تـَرَى فِى القـَفـْر لؤلـُؤة ..
ولنْ تـَجـِدَ المحَارْ
* * *
وَجْه جَمِيلٌ..
طافَ فِى عَيْنِى قليلاً.. واسْتـَدَارْ
وَمَضَيْتُ أجْرى خـَلـْفـُه..
فوجَدْتُ وَجْهـِى.. فِى الجـِدَارْ
قصيدة «النجم يبحث عن مدار» سنة 1993