توقيت القاهرة المحلي 23:21:27 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تحولات الأديان وتجلياتها (2 - 2)

  مصر اليوم -

تحولات الأديان وتجلياتها 2  2

عمار علي حسن

.. وبلغت تحولات الأديان مداها فى الحروب التى قامت باسم الأديان، فالإمبراطوريات الإسلامية المتعاقبة أشهرت سيوفها، بحثاً عن الأرض والثروة والمجد، وقفزت على دفاعية الحرب وعدالتها حسبما يفرض القرآن العظيم، وحوّلتها إلى حروب هجومية، مدعية أنها تنشر دين الله. وأفرطت المسيحية فى هذا حين انطلقت جيوش «الفرنجة» إلى بلاد الشرق، رافعة شعار «الصليب»، وقتلت وشرّدت فى زحفها المتكرر مئات الآلاف من المسيحيين فى جنوب أوروبا، ناهيك عن الدماء التى سالت على أرض الشام فى المعارك الطويلة بينهم وبين جيوش المسلمين. وارتكبت العصابات الصهيونية أبشع المذابح على أرض فلسطين، ووصل الأمر إلى حد أن قتل جيش الحرب الإسرائيلى الأسرى العرب، فى سبيل تحقيق نبوءة دينية مزعومة.

وثانيها أن تصير الأديان لدى البعض نوعاً من الفلكلور حين تتماهى فى الموروث الشعبى، فيختفى جوهرها العقدى إلى حد ما، وتستبدل طقوسها التى تفرضها الشريعة، وتحدّد طريقة أدائها فى صيغة تفصيلية، بطقوس أخرى تتعارف عليها الجماعة، وتتبناها وتدافع عنها، وتصل بها أحياناً إلى حد من القطيعة مع الطقس الأصلى. ومن الأمثلة الجلية على ذلك ما تفعله الطرق الصوفية، التى تبدو فى الجانب الأغلب منها ظاهرة فلكلورية تلبس ثوب الدين، وتتخلى فى تفضيلها «الحقيقة» على «الشريعة» عن الالتزام التام بالفرائض، وتحل محلها أذكارها وأورادها الخاصة، وقد يصل الشطط ببعض أتباعها إلى حد ادعاء أنه قد نزل على شيخهم كتاب من السماء، مثلما يزعم «البرهانية» عن كتاب «شراب الوصل»، وهو عبارة عن أشعار تم إخراجها فى شكل مشابه للمصحف الشريف، وكذلك مثل مزاعم «التيجانية» التى تقول إن شيخهم الأكبر قد فُرضت عليه صلاة مختلفة وهو راجع من رحلة الحج، وإن الرسول، صلى الله عليه وسلم، قد تجلى له فى الصحراء الجرداء وأملاها عليه.

وهناك من يحوّل الدين إلى أسطورة خالصة، حين تختلط «أساطير الأولين» بالعقائد والتصورات. وهذه المسألة قديمة قِدَم الدين والإنسان معاً، فأديان مصر القديمة والميثولوجيا اليونانية، طالما زحفت إلى التأويلات المسيحية واليهودية، فعمّقت الهوة بين ما أُنزل على «موسى» و«عيسى»، عليهما السلام، وبين ما يعتقد فيه أتباع الديانتين. وفى الإسلام توسّع المتصوفة فى الاعتقاد فى كرامات الأولياء، وخلعوا عليهم خوارق الأعمال والصفات، واستسلم الشيعة لفكرة «الإمام الغائب» ولم يراجعوها إلا مراجعة جزئية ومؤقتة على يد «الخمينى» من خلال فرض مبدأ «ولاية الفقيه»، وتسرّبت الأساطير إلى علم الكلام، وبعض السير والتصورات والأفكار الغنوصية عن الدين.

ويحول البعض الدين إلى تجارة، ويطوع النص لخدمة المسار الرأسمالى، ويبالغ فى الحديث عن الملكية الخاصة، متناسياً أو مقللاً من شأن ضرورة توافر «حد الكفاية» لكل المسلمين، ويغالى فى التنعّم بالملذات المادية، متغافلاً عن أن الزهد من الجواهر الروحية للدين. ولم يقف الأمر عند حد الخدمة النظرية لهذا المسار، بل تجسّد بطريقة مخيفة فى اتساع ظاهرة الاسترزاق بالدين، عبر تحويل علومه إلى سلعة تُعرض باستمرار، سواء من خلال المطابع أو الشاشات الزرقاء. وأدى هذا إلى تحول بعض منتجى الفقه والفتوى والدعوة إلى أصحاب ملايين، واتجهت رؤوس أموال طائلة للاستثمار فى هذا المجال، فانطلقت عبر الأثير العديد من القنوات الفضائية الدينية، وتمكنت من جذب إعلانات قيمتها ملايين الدولارات. وبمرور الوقت تبدأ آليات السوق تؤدى دورها فى هذا النوع من الإنتاج، فينفصل تباعاً عن منشئه وجوهره وأصله، وفى هذا خطر داهم على الدين.

نقلاً عن "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تحولات الأديان وتجلياتها 2  2 تحولات الأديان وتجلياتها 2  2



GMT 09:05 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

شرق المساكين

GMT 09:04 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

آن للعالم أن يخرج من كذبة يعيش فيها!

GMT 09:02 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

حين تحرّكت عقارب القيامة!

GMT 09:01 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

السودان... الهدنة الهشة لا تعني السلام!

GMT 08:59 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

رحلة العملاق!

GMT 08:58 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

«أم الاتفاقات» مجرد بداية

GMT 08:56 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

هل يمكن للأصولية أن تستغلّ الفلسفة؟!

GMT 08:55 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

ترمب الأول وترمب الثاني

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 13:18 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

ياسمين رئيس تثير حيرة الجمهور في برومو مسلسلها الجديد
  مصر اليوم - ياسمين رئيس تثير حيرة الجمهور في برومو مسلسلها الجديد

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 03:17 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

مواعيد مباريات الثلاثاء 27 يناير 2026 والقنوات الناقلة

GMT 14:28 2018 الأربعاء ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير المصري تدعم إستمرار ميمي عبد الرازق كمدير فني

GMT 15:13 2025 الأحد ,07 كانون الأول / ديسمبر

أجمل فساتين السهرة التي تألقت بها سيرين عبد النور في 2025

GMT 10:31 2024 الثلاثاء ,15 تشرين الأول / أكتوبر

علي ماهر يبحث تدعيم الجبهة اليسرى بالمصري بعد رحيل مارسيلو

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt