توقيت القاهرة المحلي 03:43:27 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الثورات ثلاثية الأبعاد

  مصر اليوم -

الثورات ثلاثية الأبعاد

معتز بالله عبد الفتاح
يظن البعض أن ثورات مصر بدع من الثورات، وأن انقسام المصريين بدع من الانقسامات، وأن تغير مواقف الناس قبل الثورات وأثناءها وبعدها وفقاً لما يتوافر لها من معلومات بدع من التغيرات، لذا أريد أن أضع أمام أعين القراء الكرام ثلاث حقائق: أولاً: لا أحد يقبل إطلاق لفظة «ثورة» على «انتفاضة شعبية» تقوم ضد نظام يؤيده، وإنما هو دائماً يشير إلى أنها كانت ناتجة عن مؤامرات، وأنها «انقلاب» أو «سطو مسلح» أو «سرقة بالإكراه» للدولة. أنصار الملك فاروق ظلوا حتى وفاة الرئيس عبدالناصر يصفون ما حدث بأنه انقلاب «البكباشى عبدالناصر»، وبعضهم كان يطالب بعودة الملكية إلى مصر. وأنصار الرئيس مبارك ظلوا رافضين لإطلاق كلمة «ثورة» على ما حدث فى 25 يناير، وكانوا يعتبرون أن «طنطاوى خان الأمانة»، وكان جورج الثالث ملك إنجلترا يصف «جورج واشنطن» ورفاقه بأنهم «خونة مارقون يقودون حرباً أهلية انفصالية ضد المملكة البريطانية العظمى بدعم من الفرنسيين والإسبان». إذن بعد الانتفاضة الشعبية سيكون هناك من سيسميها «ثورة» وهناك من سيسميها «انقلاباً». عادى خالص وبتحصل فى أحسن المجتمعات. ثانياً: كلمة «ثورة» ليست كلمة فنية متخصصة إلا عند الأكاديميين، وحتى هؤلاء بينهم تباين فى الأطر المعرفية الحاكمة لنظرياتهم. وفى الفضاء غير الأكاديمى فوضى المصطلحات أوضح؛ وتعالوا «نبص بصة» على حدثين تاريخيين وُصفا من قبَل من قاموا بهما بأنهما «ثورة»؛ الأولى فى الصين والثانية فى البرتغال. أما فى الصين، فما سُمى بـ«الثورة الثقافية»، فى آواخر الستينات، لم تبدأ كثورة شعبية أصلاً، ولكنها كانت دعوة من ماو تسى تونج، زعيم الحزب الشيوعى، لمؤيديه كى يتمردوا ضد معارضيه. ومنذ أغسطس 1966 تم تكوين مجموعات الحرس الأحمر بين طلبة الجامعات وتلاميذ المدارس بعرض الصين. تحرك الطلبة بسرعة من مهاجمة مدرسيهم ومسئولى مدارسهم إلى مهاجمة البيروقراطية المحلية، وتحولت «الثورة» إلى إرهاب ليشمل أهدافاً أوسع وأوسع، وأصبح أى شخص يشير إلى أى خطأ ارتكبه «ماو» وكأنه عميل ومتآمر وطابور خامس، وكادت الحرب الأهلية أن تندلع فى أجزاء كثيرة منها، وكانت هذه واحدة من أسوأ فترات الصين المعاصرة. هنا تحولت كلمة «ثورة» لتصبح توصيفاً إيجابياً تم توظيفه سياسياً وإعلامياً لعمل «شرير» عانت منه الصين طويلاً. قفزة سريعة فى اتجاه البرتغال، حيث كانت كلمة «ثورة» توصيفاً إيجابياً لعمل «إيجابى» لم يبدأ كثورة، وإنما كانقلاب لم تكن له مقدمات شعبية حقيقية. وهذا هو المثال الواضح لثورة 1974 فى البرتغال، حيث توجد العديد من الدراسات الأكاديمية التى تشير إلى أن ما حدث «ثورة» ليست بحكم مشاركة الناس فيها من البداية، ولكنها بحكم مباركة الناس لها فى النهاية، مثلما حدث فى مصر مع «عبدالناصر» فى 1952. المهم، فى فجر يوم 25 أبريل 1974 قام رتل من عشر مدرعات خفيفة و12 شاحنة باحتلال ساحة الوزارات فى لشبونة، عاصمة البرتغال. ولكن الناس، حزب الكنبة بتاعهم يعنى، استقبلوهم بالمواكب رغم النداءات الداعية إلى المكوث فى المنازل، وبعد 48 سنة من الحكم الفاشى، بعد انقلاب سالازار فى 1926، حدث «انقلاب 1974» بقيادة مجموعة من الضباط، لينتهى بالجنرال سبينولا حاكماً للبلاد، لكى يسقط النظام فى أيام معدودة، وخرج الآلاف يؤيدون «الانقلاب» الذى تحول بفضل الدعم الشعبى إلى «ثورة» أصبحت تسمى «ثورة القرنفل». ثالثاً: من حقائق الثورات أيضاً وجود «ناس متحولين»، يسميهم أعداؤهم بأنهم «متلونون» غالباً لأنها صفة فيهم يطلقونها على غيرهم، ذلك أن الثورات مسألة «ديناميكية» أى «متغيرة ومتحولة» ومواقف الناس منها كذلك. إحسان عبدالقدوس كان من أكثر مؤيدى ثورة 1952، ولكنه تحول إلى مهاجم لها بشراسة أيضاً بعد أن رأى نزعة الضباط الأحرار لقمع الحريات وإلغاء الأحزاب وتأميم الصحف. وتاريخ العالم مملوء بمن «تحولوا» من موقف إلى آخر وفقاً لمعطيات سياسية معينة. «توماس باين»، المؤيد للثورة الفرنسية فى بدايتها الناقم عليها بعد أن تحول بعض أسمائها مثل «روزبيير» و«لافاييت» إلى متاجرين بها، لم يكن فيلسوفاً انتهازياً، ولكنه رأى انحراف الثورة عن طريقها فتغير موقفه منها، وهو بالضبط ما حدث مع «تولستوى» بعد الثورة الشيوعية فى روسيا. يبقى أخيراً أن أقول: كل ثورة ولها نهاية. نقلاً عن "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الثورات ثلاثية الأبعاد الثورات ثلاثية الأبعاد



GMT 09:16 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

دعني أسأل

GMT 09:14 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

هرمز... نووي إيران الجديد

GMT 09:11 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

إيران عدو للعرب أكثر من الخليج

GMT 09:09 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

ظريف وخدعة الاعتدال وشراء الوقت

GMT 09:07 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

الحرب وتجاهل اليوم التالي

GMT 09:06 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

تداعيات الحرب على الصناعة النفطية الشرق أوسطية

GMT 09:04 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

العالم وحالة النزيف الداخلي

GMT 09:02 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

هل هي حرب استثنائية؟

GMT 19:09 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

الإفراج عن الصحافية الأميركية المختطفة في بغداد
  مصر اليوم - الإفراج عن الصحافية الأميركية المختطفة في بغداد

GMT 23:53 2013 الخميس ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

إكسسوارات تضفي أناقة وتميُّزًا على مظهرك

GMT 14:28 2018 الأربعاء ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير المصري تدعم إستمرار ميمي عبد الرازق كمدير فني

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:30 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج القوس الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:08 2020 الخميس ,26 آذار/ مارس

ظهور أول إصابة بكورونا داخل "البارصا"

GMT 05:57 2021 الأربعاء ,20 كانون الثاني / يناير

الإعلامية ياسمين الخطيب تدافع عن سيدات واقعة "التورتة"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt