توقيت القاهرة المحلي 01:12:01 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أمراضنا ليست سياسية

  مصر اليوم -

أمراضنا ليست سياسية

معتز بالله عبد الفتاح
اصبروا معى قليلاً لو سمحتم، لأن عندنا مشكلة حقيقية فى أننا لا نعرف كيف نعمل معاً فى المجال السياسى تحديداً وفى غيره كذلك. وبتأمُّل هذه المسألة تتبين ثلاثة أسباب مجتمعة: أولاً، أسباب نفسية: العمل الجماعى يتطلب درجة من الثقة بالنفس والاستعداد لتحمُّل المشاق وتوزيع الموارد بصورة مقبولة، ويكون مستحيلاً بين الأشخاص الذين يعانون فقراً فى الإحساس بالأمان الذاتى والرغبة الشديدة فى الزعامة والسيطرة، واعتبار أن جلوسهم على مواقع السلطة والسيطرة على مفاتيح التنظيمات التى يشغلونها يشبع غريزة تحقيق الذات، وهى غريزة لا تقل فى سطوتها عن غريزة الطعام والشراب، كما ذهب هارولد لاسويل (Harold Lasswell)، الذى رصد فى مؤلفاته عشرات الأمثلة لأشخاص كانوا بلا حيثية أو مكانة اجتماعية فكان قرارهم بأن يصلوا إلى موقع الزعامة والسيطرة وإلا فسيعملون على تدمير التنظيم من داخله بمنطقنا الشعبى القائل: «إما فيها أو أخفيها». ثانياً، أسباب ثقافية: نحن أبناء مخلصون لنظرية «ابن خلدون» عن «العصبية» كمصدر للقوة والغلبة والتمكن، أى انتماء الإنسان لطائفة أو فئة أو أسرة أو قبيلة يجعل له الحيثية والمكانة والقوة. وهو نفس المفهوم الذى تبناه إميل دوركايم حين ناقش نوعين من التماسك بين البشر: التماسك التلقائى أو الفطرى القائم على علاقات غير اختيارية مثل تماسك وتضامن أبناء الأسرة أو القبيلة الواحدة الذى يسيطر على المجتمعات التى لم تشهد تطوراً كبيراً ولا تشعباً وتعقيداً لمنظومة المكانات الاجتماعية والوظائف والمهن والمؤسسات. والتماسك العضوى أو المؤسسى المبنى على المصلحة المشتركة وتقاسم الأدوار (العضوى)، وهو تماسك يتطور بتطور المجتمعات وتعدد مؤسساتها ومختلف مكوناتها حيث يجتمع الأفراد، لا حول الروابط الدموية أو الجيرة فحسب، وإنما حول الأيديولوجيات (أحزاب، نقابات على سبيل المثال)، والاختصاصات، والمهن، والقضايا المتعددة التى تتكاثر بفعل التطور اللانهائى للمجتمعات العصرية. المشكلة فى مصر ومنطقتنا العربية أن التماسك التلقائى يتراجع فى حين أن التماسك العضوى أو المؤسسى لم يحل محله؛ فهناك تراجع كبير فى رأسمالنا التلقائى القائم على القيم التقليدية، حيث ينحسر احترام الكبير والعطف على الصغير ومعرفة حق العالم على المتعلم (أى صور التماسك التلقائى)، وفى نفس الوقت لا نشهد زيادة فى رأسمالنا المؤسسى، حيث يتراجع احترام القانون وأخلاقيات المهنة وأصول العمل المؤسسى (سواء فى الجامعة أو النقابة أو الحزب)، فلا عُدنا كما كنا فى الماضى ولا صِرنا إلى ما ذهب إليه أبناء الحضارات الأخرى. ثالثاً، أسباب سياسية وأيديولوجية: فغياب الأطر المؤسسية لتحديد من يحصل على ماذا، متى وكيف ولماذا؟ فينتهى الأمر بمغالبة ميكافيلية بلا ضوابط سابقة وإنما اقتلاع شخص لآخر أو شِلة لأخرى. وهذه واحدة من فضائل دولة القانون، سواء وجدت فى نظم ديمقراطية أو غير ديمقراطية، حيث توجد قواعد مؤسسية حاكمة للجميع تجعلنا مهما اختلفنا نعمل فى إطار من القانون والبحث عن الحلول الوسط حتى لا تنفجر التنظيمات بما يعود بالسلب على الجميع، فبدلاً من تقاسم النجاح نتنافس فى توزيع الفشل وإلقاء اللوم على الآخرين. وهى مسألة لا يولد الإنسان بها وإنما هى تكتسب كمهارات القراءة والكتابة والحساب، ولهذا حرصت المجتمعات الأكثر تقدماً على أن تدرب النشء فيها على هذه القيم منذ دخولهم المدرسة، فيتعلم التلاميذ فى المدارس كيف يتخذون قراراتهم بالتشاور وتحديد البدائل والسعى للجمع بين البدائل المتعارضة فى بدائل مستحدثة تجمع أكثر من بديل فى صورة حلول وسط، ثم التصويت واحترام قرار الأغلبية بل ومعاقبة من يخرج على هذه التقاليد الديمقراطية. ولهذا السبب قد لا تجد فروقاً كبيرة بين طريقة إدارة الدكتور مرسى للدولة، ولو كان قد فاز فى الانتخابات شخص آخر. مصر الدولة بحاجة لأن تلعب دور «الوظيفة التربوية» للدولة بإعطاء القدوة. ومع ذلك يظل السؤال: هل ممكن أن نخرج من دائرة «الهتيفة والمعارضة والتخوين» إلى دائرة «المفكرين والدارسين والباحثين» عن حلول لمشاكلنا التى هى مشاكل كل مجتمعات العالم؟ ومن نجح فى مواجهتها ليسوا ملائكة منزّلين من السماء أو كائنات فضائية خيالية، هم بشر نجحوا فى أن يتماسكوا على هدف وتحكمهم قواعد مكتوبة ومعلنة وأن ينكروا ذواتهم من أجل الصالح العام. نقلاً عن "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أمراضنا ليست سياسية أمراضنا ليست سياسية



GMT 03:23 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

اقتراح

GMT 03:21 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

هل سينتهي العالم هذه السنة؟!

GMT 03:18 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

... عن القانون الدولي والنموذج

GMT 03:16 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

سياسة «إذا لم نأخذها نحن... فسيأخذها غيرنا!»

GMT 03:12 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

فنزويلا... كلُّ الطرق تُؤدي إلى واشنطن

GMT 03:10 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

«مؤتمر الرياض» بين حق الجنوب و«الشرعية»

GMT 03:08 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

ستارمر... طريق الهروب يضيق

GMT 03:07 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

4 أيام من دون أمِّي

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 13:29 2017 الخميس ,06 إبريل / نيسان

فوائد زيت الزيتون للعناية بالبشرة

GMT 06:16 2025 الجمعة ,21 شباط / فبراير

بسمة وهبة تعود في رمضان 2025 بمفاجآت لا تُصدق

GMT 15:26 2021 الخميس ,04 شباط / فبراير

وكالة "الأونروا" تحذر من خطورة وضعها المالي

GMT 18:12 2021 الإثنين ,04 كانون الثاني / يناير

مدافع الأهلي رامي ربيعة يعلن تعافيه من فيروس كورونا

GMT 22:16 2020 الإثنين ,21 كانون الأول / ديسمبر

4 إصابات جديدة بـ كورونا تضرب النادي الأهلي

GMT 08:11 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير الأهلي تدعم رامي ربيعة قبل نهائي دوري أبطال إفريقيا

GMT 03:24 2020 الجمعة ,25 أيلول / سبتمبر

22 سفينة إجمالى الحركة بموانئ بورسعيد

GMT 20:09 2018 الخميس ,11 تشرين الأول / أكتوبر

عماد متعب يعترف بفضل زوجته يارا نعوم على الهواء

GMT 02:54 2017 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

أميرة هاني تُعبّر عن فرحتها بالعمل مع النجمة عبلة كامل
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt