توقيت القاهرة المحلي 03:43:27 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أمراضنا ليست سياسية

  مصر اليوم -

أمراضنا ليست سياسية

معتز بالله عبد الفتاح
اصبروا معى قليلاً لو سمحتم، لأن عندنا مشكلة حقيقية فى أننا لا نعرف كيف نعمل معاً فى المجال السياسى تحديداً وفى غيره كذلك. وبتأمُّل هذه المسألة تتبين ثلاثة أسباب مجتمعة: أولاً، أسباب نفسية: العمل الجماعى يتطلب درجة من الثقة بالنفس والاستعداد لتحمُّل المشاق وتوزيع الموارد بصورة مقبولة، ويكون مستحيلاً بين الأشخاص الذين يعانون فقراً فى الإحساس بالأمان الذاتى والرغبة الشديدة فى الزعامة والسيطرة، واعتبار أن جلوسهم على مواقع السلطة والسيطرة على مفاتيح التنظيمات التى يشغلونها يشبع غريزة تحقيق الذات، وهى غريزة لا تقل فى سطوتها عن غريزة الطعام والشراب، كما ذهب هارولد لاسويل (Harold Lasswell)، الذى رصد فى مؤلفاته عشرات الأمثلة لأشخاص كانوا بلا حيثية أو مكانة اجتماعية فكان قرارهم بأن يصلوا إلى موقع الزعامة والسيطرة وإلا فسيعملون على تدمير التنظيم من داخله بمنطقنا الشعبى القائل: «إما فيها أو أخفيها». ثانياً، أسباب ثقافية: نحن أبناء مخلصون لنظرية «ابن خلدون» عن «العصبية» كمصدر للقوة والغلبة والتمكن، أى انتماء الإنسان لطائفة أو فئة أو أسرة أو قبيلة يجعل له الحيثية والمكانة والقوة. وهو نفس المفهوم الذى تبناه إميل دوركايم حين ناقش نوعين من التماسك بين البشر: التماسك التلقائى أو الفطرى القائم على علاقات غير اختيارية مثل تماسك وتضامن أبناء الأسرة أو القبيلة الواحدة الذى يسيطر على المجتمعات التى لم تشهد تطوراً كبيراً ولا تشعباً وتعقيداً لمنظومة المكانات الاجتماعية والوظائف والمهن والمؤسسات. والتماسك العضوى أو المؤسسى المبنى على المصلحة المشتركة وتقاسم الأدوار (العضوى)، وهو تماسك يتطور بتطور المجتمعات وتعدد مؤسساتها ومختلف مكوناتها حيث يجتمع الأفراد، لا حول الروابط الدموية أو الجيرة فحسب، وإنما حول الأيديولوجيات (أحزاب، نقابات على سبيل المثال)، والاختصاصات، والمهن، والقضايا المتعددة التى تتكاثر بفعل التطور اللانهائى للمجتمعات العصرية. المشكلة فى مصر ومنطقتنا العربية أن التماسك التلقائى يتراجع فى حين أن التماسك العضوى أو المؤسسى لم يحل محله؛ فهناك تراجع كبير فى رأسمالنا التلقائى القائم على القيم التقليدية، حيث ينحسر احترام الكبير والعطف على الصغير ومعرفة حق العالم على المتعلم (أى صور التماسك التلقائى)، وفى نفس الوقت لا نشهد زيادة فى رأسمالنا المؤسسى، حيث يتراجع احترام القانون وأخلاقيات المهنة وأصول العمل المؤسسى (سواء فى الجامعة أو النقابة أو الحزب)، فلا عُدنا كما كنا فى الماضى ولا صِرنا إلى ما ذهب إليه أبناء الحضارات الأخرى. ثالثاً، أسباب سياسية وأيديولوجية: فغياب الأطر المؤسسية لتحديد من يحصل على ماذا، متى وكيف ولماذا؟ فينتهى الأمر بمغالبة ميكافيلية بلا ضوابط سابقة وإنما اقتلاع شخص لآخر أو شِلة لأخرى. وهذه واحدة من فضائل دولة القانون، سواء وجدت فى نظم ديمقراطية أو غير ديمقراطية، حيث توجد قواعد مؤسسية حاكمة للجميع تجعلنا مهما اختلفنا نعمل فى إطار من القانون والبحث عن الحلول الوسط حتى لا تنفجر التنظيمات بما يعود بالسلب على الجميع، فبدلاً من تقاسم النجاح نتنافس فى توزيع الفشل وإلقاء اللوم على الآخرين. وهى مسألة لا يولد الإنسان بها وإنما هى تكتسب كمهارات القراءة والكتابة والحساب، ولهذا حرصت المجتمعات الأكثر تقدماً على أن تدرب النشء فيها على هذه القيم منذ دخولهم المدرسة، فيتعلم التلاميذ فى المدارس كيف يتخذون قراراتهم بالتشاور وتحديد البدائل والسعى للجمع بين البدائل المتعارضة فى بدائل مستحدثة تجمع أكثر من بديل فى صورة حلول وسط، ثم التصويت واحترام قرار الأغلبية بل ومعاقبة من يخرج على هذه التقاليد الديمقراطية. ولهذا السبب قد لا تجد فروقاً كبيرة بين طريقة إدارة الدكتور مرسى للدولة، ولو كان قد فاز فى الانتخابات شخص آخر. مصر الدولة بحاجة لأن تلعب دور «الوظيفة التربوية» للدولة بإعطاء القدوة. ومع ذلك يظل السؤال: هل ممكن أن نخرج من دائرة «الهتيفة والمعارضة والتخوين» إلى دائرة «المفكرين والدارسين والباحثين» عن حلول لمشاكلنا التى هى مشاكل كل مجتمعات العالم؟ ومن نجح فى مواجهتها ليسوا ملائكة منزّلين من السماء أو كائنات فضائية خيالية، هم بشر نجحوا فى أن يتماسكوا على هدف وتحكمهم قواعد مكتوبة ومعلنة وأن ينكروا ذواتهم من أجل الصالح العام. نقلاً عن "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أمراضنا ليست سياسية أمراضنا ليست سياسية



GMT 09:16 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

دعني أسأل

GMT 09:14 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

هرمز... نووي إيران الجديد

GMT 09:11 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

إيران عدو للعرب أكثر من الخليج

GMT 09:09 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

ظريف وخدعة الاعتدال وشراء الوقت

GMT 09:07 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

الحرب وتجاهل اليوم التالي

GMT 09:06 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

تداعيات الحرب على الصناعة النفطية الشرق أوسطية

GMT 09:04 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

العالم وحالة النزيف الداخلي

GMT 09:02 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

هل هي حرب استثنائية؟

GMT 19:09 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

الإفراج عن الصحافية الأميركية المختطفة في بغداد
  مصر اليوم - الإفراج عن الصحافية الأميركية المختطفة في بغداد

GMT 23:53 2013 الخميس ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

إكسسوارات تضفي أناقة وتميُّزًا على مظهرك

GMT 14:28 2018 الأربعاء ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير المصري تدعم إستمرار ميمي عبد الرازق كمدير فني

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:30 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج القوس الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:08 2020 الخميس ,26 آذار/ مارس

ظهور أول إصابة بكورونا داخل "البارصا"

GMT 05:57 2021 الأربعاء ,20 كانون الثاني / يناير

الإعلامية ياسمين الخطيب تدافع عن سيدات واقعة "التورتة"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt