توقيت القاهرة المحلي 03:43:27 آخر تحديث
  مصر اليوم -

سياسى أم مربية أطفال؟

  مصر اليوم -

سياسى أم مربية أطفال

مصر اليوم
  أخطر أنواع البشر هم أولئك الذين لا يرون إلا بديلين فقط، ويتناسون البدائل الأخرى، أو يكونون فى حالة ذهنية ونفسية تجعلهم محكومين باللاوعى (أى اتخاذ قرارات وفقاً لخبرات سابقة) الرافض للبحث عن بدائل أخرى. بل إن دارسى علم النفس يعتبرون الأشخاص الذين يتبنون منطق الثنائية المفتعلة أو ما يسمونه بالإنجليزية: (false dilemma, all or nothing, black or white) يعانون من «خلل فى الشخصية» (personality disorder) وليس بالضرورة مرضاً نفسياً. والفرق بينهما كبير. وأسباب هذه الظاهرة، كما يقول علماء النفس السلوكيون، متعددة، لكنها عادة ما ترتبط بمواقف صراعية عنيفة تترك آثاراً نفسية حادة مثل السيدة التى تمر بتجربة طلاق صعبة، فتنتهى إلى أن «الرجال كلهم كده» أو من يسافر إلى دولة ويجد فيها معاملة غير لائقة فينتهى إلى أن «المصريين دول كلهم كذا..». أزعم أن بعضنا يفكر بهذه الطريقة تماماً، ويعانى من هذه النظرة القائمة على توقعات مرتفعة للغاية تعقبها إحباطات شديدة؛ فيدهن الكون بلونين لا ثالث لهما إما كذا أو كذا. ونجد أن القرآن الكريم قال صراحة إن علينا أن نتجنب هذا النمط من التفكير بقوله: «لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ...»، وفرّق بين بعض أهل الكتاب؛ فمنهم من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم غير ذلك، ومن الكفار من علينا أن نقاتله، ومنهم من إذا استأمنّا أمّناه. ويقول ماكيافيللى السياسة الخارجية الأمريكية، هنرى كيسنجر لطلابه: «من لا يدرك عشرات التفاصيل والتفاوتات فى المواقف وتطوراتها، فلا مجال له فى العمل السياسى، وأنصحه بأن يشتغل مربية أطفال». يقصد أن التمايزات فى المواقف والتفاصيل وتحقيق المكسب الممكن والمتدرج مهارة لا تقل فى أهميتها عن تبنى مواقف حادة ومتصلبة. طيب، ماذا يقول علماء النفس أمام هذه الحالة. هم ينصحوننا بعدة أمور هى أقرب إلى تمرينات ذهنية نقوم بها مثلما نمارس الرياضة البدنية. أولاً، افتح عقلك لأفكار جديدة وبدائل أخرى. يعنى لا تتعامل مع الناس على أنهم إما عملاء لجهات أجنبية أو أنهم وطنيون مخلصون. الكون ليس بهذه البساطة، هذه طريقة تفكير الأطفال الذين يميلون إلى التسطيح المخل. من الممكن أن يكون هناك إنسان علمانى متدين (يصلى ويصوم ويحج وله خلق طيب ولكنه قد يخشى على الإسلام من المتاجرين به)، وهناك علمانى غير متدين، بل هناك كذلك علمانى ملحد، وهناك إسلامى ليبرالى، وهناك إسلامى متشدد، وهناك إخوانى معترض على سياسات الدكتور مرسى، وهناك سلفى يؤمن بالعدالة الاجتماعية أكثر من إيمان بعض اليساريين بها. هذا كله ممكن ومتاح، ولو دققنا النظر فى من حولنا سنجد أمثلة حية لهذه التفاصيل. ثانياً، اخفض مستوى توقعاتك. التوقعات الكبيرة تجعلنا نعيش أحلاماً كبيرة ونفترض أن أسباب نجاحنا الماضى ستكون هى ذاتها أسباب نجاحنا اللاحق. وهذا يتعارض مع عنوان كتاب شهير يقول: «What got you here won’t take you there» بمعنى أن نجاحك فى مرحلة ما بسبب مجموعة من الإجراءات التى اتخذتها فى ظروف معينة لا يعنى أن نفس الإجراءات فى ظروف أخرى سيترتب عليها نفس النتائج. ولهذا اخفض توقعاتك وركز على تطوير إجراءاتك، ولا تتهم الآخرين بسبب فشلك فى أن تخرج من شرنقة المثالية والنجاح الماضى. لا تكن حبيس توقعات مرتفعة بسبب أمجاد سابقة. كُن واقعياً. ثالثاً، انظر إلى المناطق الرمادية، بين ما تعتبره صواباً مطلقاً وما تعتبره خطأً مطلقاً، حيث توجد مساحة من الأمور المختلطة والتى يصعب حسمها بمنطق الصواب المطلق والخطأ المطلق. أرجو قراءة رواية «البؤساء» لفيكتور هيجو، حيث الطفل الجائع جان فالجان الذى يسرق ليأكل ويدخل السجن ويخرج منه ثم يسرق، ثم يلتقى قساً يسرقه ولكنه يدافع عنه ويؤويه لأنه رأى ما فيه من خير كامن تحت سطح الشر. رابعاً، توقف عن استخدام «كلمة واحدة» لوصف شخص أو شىء. حين نعمل مقابلات شخصية مع متقدمين لمناصب فى الخارج، كنا نستبعد بشكل تلقائى أولئك الاختزاليين لأنهم لم ينضجوا بعد. الاختيار لك: إما أن تكون سياسياً أو مربية أطفال أو ما بينهما. هذا جزء من الحال، وربما يكون جزءًا من الحل «باختصار».  نقلاً عن جريدة "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سياسى أم مربية أطفال سياسى أم مربية أطفال



GMT 09:16 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

دعني أسأل

GMT 09:14 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

هرمز... نووي إيران الجديد

GMT 09:11 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

إيران عدو للعرب أكثر من الخليج

GMT 09:09 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

ظريف وخدعة الاعتدال وشراء الوقت

GMT 09:07 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

الحرب وتجاهل اليوم التالي

GMT 09:06 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

تداعيات الحرب على الصناعة النفطية الشرق أوسطية

GMT 09:04 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

العالم وحالة النزيف الداخلي

GMT 09:02 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

هل هي حرب استثنائية؟

GMT 19:09 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

الإفراج عن الصحافية الأميركية المختطفة في بغداد
  مصر اليوم - الإفراج عن الصحافية الأميركية المختطفة في بغداد

GMT 23:53 2013 الخميس ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

إكسسوارات تضفي أناقة وتميُّزًا على مظهرك

GMT 14:28 2018 الأربعاء ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير المصري تدعم إستمرار ميمي عبد الرازق كمدير فني

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:30 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج القوس الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:08 2020 الخميس ,26 آذار/ مارس

ظهور أول إصابة بكورونا داخل "البارصا"

GMT 05:57 2021 الأربعاء ,20 كانون الثاني / يناير

الإعلامية ياسمين الخطيب تدافع عن سيدات واقعة "التورتة"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt