صورة أرشيفية لأسلحة كيميائية في سورية

حذرت موسكو من مخاطر وتداعيات تدويل الأزمة السورية، وأكدت أن تحريف ما جرى في القصير "غير مقبول"، وأن هناك الآلاف من المسلحين من جنسيات أجنبية يقاتلون في صفوف قوات المعارضة السورية، فيما تم الكشف عن شرخ صامت بين باريس وواشنطن بشأن الاعتراف بمدى حقيقة استخدام "الكيميائي" في سورية، لا سيما بعد الأدلة الفرنسية على استخدام دمشق للسلاح الكيميائي، تزامنًا مع هجوم السيناتور الأميركي جون ماكين، على سياسة الرئيس باراك أوباما بشأن سورية، حيث أكد أن "انعزال واشنطن سيؤدي إلى دخول أطراف أخرى في الصراع لتملأ الفراغ".ولا تزال مسألة التحقيق في استخدام "الكيميائي" وغاز السارين، عالقة من دون صدور أي إدانة دولية شاملة صريحة للحكومة السورية باستخدامه، فبعد أن أعلنت بريطانيا على لسان المتحدث باسم الحكومة البريطانية، عن اكتشاف عينات "فيزيولوجية" إيجابية لاستخدام القوات السورية غاز السارين، بدت واشنطن حذرة في اتخاذ موقف صريح، في حين أكدت باريس أن لديها الدليل القاطع على استخدام دمشق غاز السارين مرات عدة، بعدما أجرت اختبارات على عينات حصلت عليها من سورية، وشككت واشنطن بالأمر، حيث أوضح البيت الأبيض أنه في حاجة إلى مزيد من الأدلة للإثبات رسميًا أن "السارين" تم استخدامه في سورية.وكشف مصدر دبلوماسي فرنسي رفيع المستوى، عن حقيقة الشرخ الصامت بين باريس وواشنطن بشأن سورية، والذي يتسع منذ ما يسميه الفرنسيون "استدارة" جون كيري نحو التفاوض مع الرئيس بشار الأسد، وشكل موقف الولايات المتحدة من الأدلة الفرنسية على استخدام دمشق للسلاح الكيميائي، محور أزمة صامتة جديدة بين الجانبين.
وعبر المصدر الفرنسي عن شعوره "بالصدمة"، إزاء جفاء اللهجة التي استخدمها بيان البيت الأبيض، تعليقاً على إعلان لوران فابيوس أن باريس على يقين أن غاز "السارين" استخدم مرارًا في سورية، مضيفًا "صحيح أنه ليست لدينا وسائل التحقق ذاتها الموجودة لدى الأميركيين، وصحيح ما يقولونه عن وجود صعوبة تقنية في التحقق من مختلف مراحل نقل العينات، لكن الصحيح أيضًا أننا متيقنون على الأقل من حالة من الحالتين، اللتين أعلن عنهما وهي استخدام الحكومة السورية لغاز (السارين) في سراقب جنوب حمص، في 29 نيسان/أبريل الماضي، وفي جوبر في دمشق، وعلى الرغم من أن التحقق يبدو أكثر تعقيدًا في جوبر، لأن عينات الدم التي فحصناها لم تكن في حالة مثالية، ومع ذلك نعتبر أن لدى الأميركيين أولوية هي إنجاح مؤتمر (جنيف 2)، وهذه أولويتنا أيضًا، ولكن عندنا أولوية موازية هي واجب إعلان الحقيقة بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية".
وفي تحليل حقيقة ما تفكر به الإدارة الأميركية في الشأن السوري، قال المصدر ذاته، "إن هذه الإدارة تتجنب أي تصعيد عسكري، وهي خائفة من عدم القدرة على وقف هذا التصعيد إذا بدأ، وواشنطن تبدو هنا، أخشى أن أقول ذلك، انعزالية بشكل كبير، وإن أسباب التخوف الأميركي ترجع إلى معرفة واشنطن أن الروس عازمون على تزويد سورية بصواريخ (إس 300)، حتى لو أجّلوا تسليمها مرحليًا، وتدرك الإدارة الأميركية بالتالي أن سورية بلد مسلح ولديه دفاعات جوية قوية لأقصى الحدود، مما يدفعها إلى تجنب التصعيد".
وهاجم السيناتور الأميركي جون ماكين، سياسة الرئيس باراك أوباما بشأن سورية، وقال "إن الأزمة في الشرق الأوسط تتجه نحو الطائفية، إذ تقوم إيران و(حزب الله) بمد الحكومة السورية بآلاف المقاتلين، وإن دعم المعارضة السورية يضع حدًا لهذا التدخل، وإن لم تقم واشنطن بتزويد المعارضة بالسلاح، فإن هناك طرفًا آخر سيفعل ذلك".
وطالب عضو مجلس شيوخ الجمهوري القيادة العسكرية للولايات المتحدة، بضرورة وقف الدفاعات الجوية التابعة للقوات السورية، مضيفًا "إن لم تستطع القيادة فعل ذلك، فإنهم بالتالي يسرقوا أموالنا في تطوير الأسلحة، وآمل بأن يعمل فريق الأمن القومي على إعادة النظر في مختلف قضايا المنطقة، وأمل من القيادة العسكرية ذلك، طالما حملت احترامًا كبيرًا لتلك القيادات، لكن هناك مئات الأسباب التي تدفعهم إلى إعادة التفكير، وأن يعملوا على وقف الدفاعات الجوية السورية، وإن لم نستطع وقف الدفاعات الجوية للأسد، فلماذا إذن ندفع مليارات الدولارات على تطوير أسلحتنا، وإن لم يفعلوا ذلك، فأعتقد أنهم يسرقوا أموالنا في تطوير الأسلحة".
ورسم السيناتور ماكين في خطابه، الخطوط العريضة لإستراتيجية أميركية جديدة في الشرق الأوسط، تشمل‫ دورًا قياديًا أكبر للولايات المتحدة، محذرًا من أن الصراع في سورية سيتحول إلى صراع طائفي على مستوى المنطقة، يؤدي إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط، إن لم تتدخل الولايات المتحدة، موضحًا "الشرق الأوسط دائمًا أهم من مجرد البترول، وللولايات المتحدة أصدقاء وحلفاء في الشرق الأوسط يعتمدون عليها في أمنهم ويساهمون في أمن واستقرار أميركا بشكل أكبر مما يعرفه الأميركيون، لكنهم سيدركون هذا الدور، صدقوني، إن تأثرت الملاحة في قناة السويس أو إن فقدنا شركاء أميركيين مهمين مثل الأردن".
وألقى ماكين الخطاب بعد رحلته إلى الشرق الأوسط، التي التقى فيها مع المعارضة المسلحة في سورية، فيما يعتبر ماكين من أهم أعضاء مجلس الشيوخ والمرشح الجمهوري السابق للرئاسة، ومن الأصوات التي طالما نادت بتسليح المعارضة وبفرض حظر على الطيران في سورية.
وأضاف ماكين، "كلما انتظرنا لاتخاذ خطوة ما، زاد مستوى التدخل المطلوب، ليس علينا أن ندمر كل الجهاز الدفاعي، أو أن نرسل جنودًا أميركيين، لدينا خيارات محدودة، نستطيع أن نستخدم صواريخ (كروز) لنستهدف الطائرات الحربية السورية، والصواريخ الباليستية على الأرض، ونستطيع أن ندعم حكومة موقتة، وإن المسؤولية تقع على عاتق أوباما الذي يجب أن يقنع الشعب الأميركي بالمصلحة الوطنية الأميركية في المنطقة"، متابعًا "إن انعزال الولايات المتحدة سيؤدي إلى دخول أطراف أخرى في الصراع لتملأ الفراغ، وإن إايران أصبحت تُشكل تهديدًا أكبر على استقرار الشرق الأوسط من تهديد تنظيم (القاعدة)".
وتأتي تصريحات ماكين في وقت تشير فيه الاستطلاعات إلى انعدام الشهية الأميركية للتدخل عسكريًا من جديد في الشرق الأوسط، حيث علق برايان كاتوليس، من مركز التقدم الأميركي، قائلاً "رأي ماكين في الأقلية الآن ليس فقط في الكونغرس وواشنطن بل في الولايات المتحدة ككل، هذا لا يعني أن رأيه غير مهم، ولكنه غير شعبي".
وأكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الجمعة، خلال مؤتمر صحافي مع الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي إحسان الدين أوغلو في موسكو، أن هناك مخاطر كبيرة من تدويل الأزمة السورية، وأن تحريف ما جرى في القصير "غير مقبول"، مشيرًا إلى أن هناك الآلاف من المسلحين من جنسيات أجنبية يقاتلون في صفوف قوات المعارضة السورية، مشددًا على ضرورة إيجاد حل سياسي للأزمة في سورية.
وأعلن أوغلو، أنه بحث مع المسؤولين الروس في التطورات السورية، وأن منظمته تؤيد فكرة عقد مؤتمر "جنيف 2" لحل الأزمة السورية، إلا أنه شدد على أن المؤتمر يجب أن يساعد في وقف العنف في سورية وأن يضمن انتقال السلطة، مضيفًا أن "الوضع في سورية يزداد صعوبة، وهذا يؤثر سلبًا على دول الجوار، وأنه تقدم بمبادرات عدة لإيجاد تسوية في سورية، وأن الصراع بدأ يأخذ طابعًا طائفيًا في الآونة الأخيرة، وأن الوضع أصبح حرجًا جدًا، والضحايا في ارتفاع"، مشيرًا إلى أن عضوية سورية في منظمة التعاون الاسلامي قد تم وقفها.
وأشار نائب وزير الدفاع الإسرائيلي داني دانون، في حديث إذاعي، إلى أن "إسرائيل لا تتدخل في الصراع الدائر في سورية، ولكنها تتابع بقلق تطورات الأوضاع فيها".
ودعا مفتي السعودية الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن محمد آل الشيخ الحكومات ورجال الدين في سائر الدول الاسلامية إلى التحرك ردًا على مشاركة "حزب الله" إلى جانب القوات السورية في المعارك ضد مسلحي المعارضة في القصير وسط البلاد، مشيرًا في كلمة نقلتها وكالة الأنباء السعودية، إلى أن سلوك "حزب الله" يؤكد شكوك السعودية منذ زمن بشأن ارتباطه بايران، فيما رحب بتراجع الداعية السني الشيخ يوسف القرضاوي الشهر الماضي عن تأييده السابق للحزب اللبناني، معتبرًا أن القرضاوي عاد إلى موقف كبار "علماء المملكة الذي كان واضحًا من هذا الحزب الطائفي المقيت منذ تأسيسه".