القاهرة– إيمان إبراهيم
عادة ما تُصاحب العمليات المسلحة في سيناء بيانات رسمية لتوضيح آثارها، لكنها تغفل الملابسات والظروف التي تهيأ للمتطرف حمل السلاح، وأنَّ ينفذ عمليته دون الوقوع في كمائن الجيش والشرطة المنتشرة في مناطق مختلفة في سيناء بداية من مداخلها وحتى الحدود المتاخمة مع الأراضي المحتلة.
ويذكر اللواء أحمد عبدالحليم أنّ "تصرفات الجيش في سيناء يطابق مصطلح التوقف التعبوي باللغة العسكرية، الذي تحتاجه اللحظة بكل تأكيد بعد ما يقرب من عام ونصف من العمل الأمني والعسكري على هذا المسرح الأصعب، تلزم بكشف حساب سريع عن تلك المدة التي ليست بالقصيرة وعن مهمة مليئة بالتداخلات الخطرة، البعض منها موروث قديم فُرض على القوات هناك التعامل معه والآخر منها استُحدث في تلك البقعة ومازال يتجدد ويتفاقم بصورة متزايدة.
وأضاف: "أول ما يستوجب التقييم في تلك الوقفة هو فحص أهداف الجماعات المسلحة في سيناء وتحديد مكانها الآن، فمراهنة الجماعات كانت تلعب على هدفين كلاهما أخطر من الآخر، الأول قبل 30 يونيو مباشرة والفترة الأولى من بعد سقوط الإخوان، إذ شهدت تلك المرحلة زخمًا كثيفًا عبّرت به الجماعات عما وصلت إليه من جاهزية طوال عام الإخوان، ومستهدفة حينها وهو اختطاف الجزء الشمالي الشرقي من سيناء لإعلانه إمارة إسلامية، وشكّل هذا الهدف أهم أسلحة الإخوان في خطتهم لمقاومة ثورة 30 يونيو، استنادًا إلى ذروة صعود تلك الجماعات واعتمادًا على حركة حماس الفلسطينية في قدرتها على إدارة المعركة ضد قوات الجيش من الجانب الآخر".
ثم أشار عبدالحليم: "في الساعات الأولى للثورة انتقل الفريق أحمد وصفي ببعض من وحدات الجيش الثاني ليصل إلى آخر نقطة في الحدود الشرقية ليشكّل أول متغير للمعادلة، وليجهض هذا الهدف الخطير عبر ضربات مركّزة لتلك الجماعات ومن خلال أول اشتباك فعال مع شريان الحياة لهم وهو أنفاق رفح الممتدة إلى قطاع غزة".
وأكد الخبير العسكري أنه بفشل الهدف الأول أمام عمل عسكري ناجح استطاع الجيش المصري أنَّ يملأ فراغات الأمن سريعًا، وعليه انتقلت الجماعات بتغييرات تكتيكية إلى الهدف الثاني، فهي بدايةً وحّدت كل الجماعات المسلحة تحت راية تنظيم "أنصار بيت المقدس"، ثم بدأت عملية إطالة الفترة الزمنية لإنهاك القوات هناك بأكبر قدر ممكن، لافتًا إلى أنَّ هذا التكتيك معتمد بشكل أساسي لدى معظم أجيال القاعدة الجديدة، وهي بارعة في تنفيذه أمام القوات الحكومية إلى حدٍ كبيرٍ.
وبعد فترة كمون خادعة تحت وقع ضربات قوات المواجهة القاسية، وهو ما تم في سيناء، إذ ينتقل التكتيكي إلى الاستراتيجية الجديدة، متمثلة في سحب أرجل تلك القوات بعيدًا عن الطرق المعبّدة إلى بحر الرمال المتحركة، عبر تنفيذ عمليات متفرقة ومتواصلة زمنيًا لا تسمح للمعركة بالوصول إلى مرحلة الحسم وإعلان النتيجة النهائية، وتحتفظ بالمشهد عند درجة الحرارة التي تحرم أي طرف من الإمساك به.
ويذكر الخبير الأمني منصور عبدالفتاح أنَّ مصر واجهت التطرف خلال حقبة الثمانينات والتسعينات وخرجت بنجاح حتى بعد طول أمد المواجهة، لكنها تواجه الأصعب اليوم، بما يعني أنَّ القوات المسلحة تحتاج إلى تسلح سريع، وتحتاج إلى تحرك سريع، وكذا فإن الطرف الأساسي اليوم قوات تابعة للجيش، وهي من معطيات المشهد التي فُرضت على الجيش قسرًا باعتبارات الدفاع عن الأمن القومي في تلك المنطقة وعدم جاهزية قوات الشرطة لخوض مواجهة لها أبعاد إقليمية غير خافية.
وأضاف: "في هذه الحالة نجد أنفسنا أمام مسرح عمليات يحتاج إلى تغيير سريع وجديد في معادلاته على الأرض؛ لضمان الخروج الآمن لقواتنا المسلحة دون الإنهاك المخطط وبعيدًا عن نزيف الخسائر المتوقع، هذا التغيير في المعادلة يستوجب خطوات واسعة للأمام، مثل إنشاء المنطقة الخالية على الشريط الحدودي للقضاء النهائي على سلاح الأنفاق، يعقبها مباشرة ضخ تنموي سريع في كل المجالات بما يجذب عددًا كبيرًا من السكان لا ينتظر القضاء على التطرف حتى يبدأ، بل هو السلاح الأمضى الآن والرقم الصعب الذي سيقلب المعادلة لصالح سيناء ولصالح الوطن".