توقيت القاهرة المحلي 07:26:06 آخر تحديث
  مصر اليوم -

دخوله كمن يدخل إلى معبد وسط حقول الزيتون

إقليم "لا بوليا" الكنز الجديد الذي اكتشفته السياحة الأوروبية

  مصر اليوم -

  مصر اليوم - إقليم لا بوليا الكنز الجديد الذي اكتشفته السياحة الأوروبية

إقليم "لا بوليا"
روما - يوسف محمد

عزيزي المسافر... لا تقل إنك جئت إلى هنا، وإنك تنزّهت على أجمل شواطئ إيطاليا التي يختصر هذا الإقليم كلَّ سحرها ومفاتنها. احفظ السر... لأنه لم يعد سرّاً أن «لا بوليا» La Puglia تستحقّ أن تبقى في عالم الأسرار، رغم كثرة الذين يريدون لها أن تكون توسكانة الجنوب التي تخفي جمالها وراء كروم الزيتون، أو صقلية الأدرياتيك، أو إيطاليا التي لا ينضب فيها معين الدهشة والانبهار. أنها الكنز الجديد الذي اكتشفته السياحة الأوروبية، والذي لن يطول الوقت حتى يدخل في الدائرة التي يتهافت عليها السيّاح حتى الاختناق.

أقرأ أيضا:

شواطئ ومنتجعات إيطاليا الفاخرة تستعد لاستقبال المصيفين

يوماً بعد يوم يكثر عدد المشاهير الذين يختارون حنايا هذا الإقليم لعزلتهم، وتتكاثر أعداد السيّاح الذين يتوافدون على هذه الربوع. فهي ما زالت تحتفظ بأصالة عصيّة على الزمن والدساكر التي تفاخر بعمران أرستقراطي عريق يمتدّ من سفوح الهضاب المكسوّة ببساط لا نهاية له من النباتات العطرية إلى الشواطئ الرمليّة المتهالكة عند أقدام بحرٍ ينام ويفيق مع زوارق الصيّادين «لا بوليا» هي الأرض التي ينحبس عن سمائها المطر أكثر من أي منطقة أخرى في إيطاليا، والتي عاش أهلها قروناً في عزلة شبه تامة، يتحدثون لغة قدماء اليونان قبل أن ترى روما النور وتسطع إمبراطوريتها على العالم. وهي مملكة الحدود التي تصادم عليها الإسلام مع المسيحية كما تشهد على ذلك القلاع والحصون الكثيرة التي تسوّر معظم المدن والقرى الواقعة على سواحلها.

من هنا نبدأ جولتنا: لن نبدأ جولتنا من «برينديسي» التي ينزل السيّاح الأميركيون في مطارها، ومنه يهرعون إلى «ليتشيه» التي انحفرت مبانيها في ذاكرتهم من كثرة ما شاهدوا صورها. تعال نستهلّ مشوارنا في هذه الجنّة من «باري» عند أقصى الجنوب الإيطالي، ونتسلّق شوارعها اللولبية التي يفوح منها أريج البحر المالح، وتطالعك من شبابيكها بين الحين والآخر وجوه تذكّر بصوفيّا لورين أو آنّا مانياني.

على بعد أميال من «باري» يقوم مثلّث ذهبي تشكلّه قرى «مونوبولي» و«فازانو» و«آلبيروبلّو» حيث تجد أجمل المنتجعات ودور الإقامة في مزارع أو معاصر قديمة رممها أصحابها بمنتهى الذوق والأناقة. تستدرجك إلى ممارسة الرياضة المفضّلة عند أهل هذه البلاد: متعة الكسل il dolce far niente التي رفعها الإيطاليون إلى مقام المفخرة الوطنية. لكن الكنز الذي تفتخر به هذه القرى الثلاث هي الأكواخ الحجرية الشهيرة المعروفة باسم Trulli، وهي مخروطية الشكل في سقفها وتعود إلى حقبة ما قبل التاريخ مع بدايات العصر البرونزي. ونظراً للأهمية التاريخية والأنثروبولوجية لهذه الأكواخ، قررت منظمة اليونيسكو إدراجها على قائمة التراث العالمي في عام 1996، كما أدرجت عليها أيضاً «الوجبة المتوسطية» التي يشتهر بها هذا الإقليم الإيطالي.

«ليتشيه» الفاتنة أصبحت على بعد ستين ميلاً من هنا، لكن السرعة في الوصول إليها ليست مستحسنة لأنها ستفوّت عليك فرصة التوقّف في قرية «أوستوني» التي تتنافس فيها قصور النبلاء مع بيوت العائلات العريقة، وحيث لا بد للعابر أن يتذوّق الحلوى التي اشتهرت بها، والتي تتحدّى من يأكلها أن يسلم شاربه من القشدة المحشوّة بها. وفي هذه البلدة أيضاً سوق شهيرة للحرفيّات.

نصل إلى «ليتشيه» Lecce كمن يدخل إلى معبد يرتفع وسط حقول الزيتون وبساتين الفاكهة وكروم العنب المترامية حتى البحر. مدينة بارّوكيّة بامتياز، تقول لك إن إيطاليا ليست روما وميلانو والبندقية وفلورانس... فحسب، وإن هذا الجنوب الذي سقط من دفاتر السيّاح فيه ما يغني عن كل الجمال المنثور على صدر شبه الجزيرة الإيطالية.

عندما بدأ مؤسس الحركة البارّوكية النحّات فرانشيسكو بورّوميني مسيرته الفنّية مطالع القرن السابع عشر تحت شعار (التغيير هرباً من الرتابة)، كان أساتذة النحت في هذه المدينة قد قطعوا شوطاً بعيداً في ترصيع عشرات القصور بمنحوتات جريئة على أشكال فاكهة وطيور وحيوانات داجنة أصبحت عنواناً لأسلوب بارّوكي انفردت به «ليتشيه» بين كل الحواضر الأوروبية.

لست بحاجة إلى دليل سياحي أو كتاب تقرأه عن هذه المدينة لزيارتها. يكفي أن تستسلم لحواسك وتترك لها القياد، تمشي وراءها في الشوارع المرصوفة بحجارة القرن السادس عشر بين القصور والدور الحجرية التي هي أقرب إلى المنحوتات الضخمة، تستظلّ عبق التاريخ في أفنيتها الفسيحة وتذهب بعيداً وراء الجمال الطالع من معمارها الأنيق والمكدّس في كنوزها الفنيّة. تتنقّل بين ساحاتها من مفاجأة إلى ذهول إلى انبهار، ويُخيَّل إليك أنك على خشبة مسرح طالع من أعماق التراجيديا الإغريقية التي ما زالت أصداؤها تتردد بين المباني الصامدة.

التجوال فيها رحلة عبر الزمن، من عصور ما قبل التاريخ إلى العهد الوسيط وفن البارّوك الذي بلغ هنا إحدى قممه على يد أمهر الحرفيين. والبحر هنا... بحران، يحيط كل منهما بإحدى خاصرتَي هذه المدينة المحشورة عند «كعب الجزمة» الإيطالية، حيث تكثر المحميّات الطبيعية النائية عن الإسمنت والأسفلت، والخلجان الصغيرة التي يرتادها عشّاق الغطس والتمتع بالمفاتن المغمورة تحت المياه. ولعلّ أجمل ما في هذه الشواطئ هو بعدها عن الطرقات المطروقة، وغابات الصنوبر التي تكاد تغسل جذوعها بالأمواج التي تموت في ظلالها.

لكن «ليتشيه» ليست مجرّد تحفة معمارية ينطق فيها الحجر، بل هي، منذ سنوات، مختبر فريد للسياحة البيئية التي تعجز أفخم الفنادق عن مجاراة الأجواء الفريدة التي تقدّمها بأسعار لا تضارب، ومدرسة عالمية الشهرة للمأكولات الطبيعية والصحيّة يشهد عليها مركز الطهي الذي يتهافت عليه كبار الطهاة من كل أنحاء العالم يتدرّبون على أيدي الجَدّات اللواتي يحفظن أسرار الأطباق التقليدية والأطعمة اللذيذة.

ثمّة جاذبية لا تقاوَم في هذه المدينة تدفعك إلى الاستغناء عن متابعة الرحلة والبقاء بين جدرانها أطول فترة ممكنة. إنه شعور بالأمان والسكينة العميقة في هذا العالم المضطرب، اللاهث وراء كل شيء ولا شيء، ورغبة دفينة في الانسياق وراء هذه الحياة المتهادية ببطء وبساطة خارج حدود الزمن.

لكن على مرمى حجر من «ليتشيه» الجميلة ثمّة أيضاً ما يغري بالذهاب: إنها شواطئ الرمال الناعمة البيضاء والمياه البلّورية التي تذكّرك بجزر المالديف الساحرة، والتي تمتدّ هنا حول بلدة «غالّيبولي» التي تبدو طالعة من إحدى البطاقات السياحية، بقلعتها الحصينة من القرن الرابع عشر، وأسوارها التي تتكسّر عليها الأمواج منذ مئات السنين، وأزقّتها الحجرية الضيّقة المحفوفة بمطاعم عائلية صغيرة يزوّدها الصيّادون كل يوم بأشهى الأطايب البحريّة. وعلى أطراف هذه البلدة تمرّ «Appia Antica مليكة الطرق» التي شقّها أباطرة روما، والتي ما زالت أجزاء كثيرة منها تستخدم إلى اليوم إلى جانب الجسور التي تشهد على حسن تخطيطهم وعمرانهم.

لا تقل إنك جئت إلى هنا، واحفظ سرّ هذا الجمال قدر ما استطعت، ولا تنسَ قبل مغادرتها ما يردده أهلها منذ مئات السنين، بأن السعادة تكمن في قصعة خبز مغمّسة بزيت الزيتون وقيلولة في ظلّ صنوبرة عتيقة.

قد يهمك أيضًا:

منتجع "شانغريلا" في جزر المالديف وجهة ساحرة لشهر عسل لا يُنسى

جزر المالديف أفضل وجهة سياحية في شهر العسل

egypttoday
egypttoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إقليم لا بوليا الكنز الجديد الذي اكتشفته السياحة الأوروبية إقليم لا بوليا الكنز الجديد الذي اكتشفته السياحة الأوروبية



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 23:53 2013 الخميس ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

إكسسوارات تضفي أناقة وتميُّزًا على مظهرك

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 13:28 2021 الإثنين ,31 أيار / مايو

عمرو موسى ضيف برنامج الحكاية مع عمرو أديب

GMT 09:52 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الدلو الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:42 2018 الأحد ,11 آذار/ مارس

ليفربول يصدم ريال مدريد بشأن محمد صلاح

GMT 09:06 2021 الأربعاء ,03 شباط / فبراير

قصة مقتل شاب بمشروب مجهول في حفل زفاف في الشرقية

GMT 17:43 2019 الجمعة ,01 شباط / فبراير

مصرية تطلب الخُلع لتصوير زوجها لها وهي عارية

GMT 12:35 2019 الأربعاء ,02 كانون الثاني / يناير

الفنانة ليال عبود تحصد الجائزة الكبرى في ليلة رأس السنة

GMT 21:27 2018 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

طارق الشناوي يؤكد أن إسماعيل يس كان سابقًا لعصره

GMT 09:31 2021 الثلاثاء ,09 شباط / فبراير

"هيومن رايتس" تنتقد "تقاعس" مصر في قضية "الفيرمونت"

GMT 00:09 2019 الجمعة ,18 تشرين الأول / أكتوبر

مرتضى منصور يردّ على بيان مجلس إدارة النادي الأهلي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt