توقيت القاهرة المحلي 21:50:15 آخر تحديث
  مصر اليوم -

رسالة إلى السماء

  مصر اليوم -

رسالة إلى السماء

بقلم : ولاء مصطفى

 لقد رأيت الله مرة واحدة قبل وفاة والدى، المشهد سار كالآتى، طفلة صغيرة تمسك بيد رجُل أربعينى، ينظر إلى الأفق دون تردد، يده معى وعيناه فى فُلك آخر. داخل سيارة صغيرة تكفى بالكاد مشوارا نذهب إليه أنا وأبى نحو السماء، مرّت دقائق حتى انقلبت السيارة، صرخت وسألت الجميع «ماذا أفعل؟»، فأجابوا «الله وحده هو من سينقذه»، فبادرت بسؤال آخر «أين هو؟»، صمتوا جميعًا ثم أشاروا بأصابعهم نحو هالة كبيرة من النور، بكيت حينها بشدّة وكأن العالم سينتهى، إذ ذهب أبى نحو السماء وتركنى وحيدة.

هُنا، بعيدًا عن السماء بآلاف الكيلومترات، أكتب إليك والدى العزيز، تحية طيّبة من ابنتك وحفيدك الذى لم تره، سأخبرك عمّا حدث فى رسالة طويلة، ولكن دعنى أقل لكَ رسالة عُمرها أكثر من 8 سنوات، مُنذ رحلت وتركتنى هُنا أفتقدك كثيرًا وأشتاق لرؤياك، وبالطبع أتمنى رؤيتك أنا وحفيدك، لكننى مطمئنة لأن الله ينظر إليك بدلاً منّا، ينظر إليك بعين رحمة ومغفرة.

دعنى أخبرك أيضًا أن الجدار الذى كُنت أستند إليه، منذ كُنت طفلة صغيرة لم تحل ضفائرها بعد، انكسر تمامًا بعد ذهابك، كُنت أنت قدوتى الأولى فى الحياة، أعطيتنى حبًا وملأتنى بالعطاء والحنان، ورغم كُل الحب، لم تنس أن تعلمنى حُب الحياة وكيفية العيش بها، أحكى عنك لحفيدك سليم فى كل ليلة، أخبره أنك رجُل طيب القلب، عزيز النفس، وعفيف اللسان، لا يجرح أحداً بكلمة، ولكن مهما قُلت، ما فى قلبى لك أكبر من الوفاء بالحديث عنك.

أبى العزيز فتاتك المدللة تغير بها الحال قلبًا وقالبًا، أصبحت أُمّاً، لستُ عظيمة على الإطلاق، لكنى فى النهاية أُم، أجلس هنا بجانبى طفل جميل، جزء صغير منى حملته 9 أشهر، مرَّت تلك الأيام، كانت صعبة متقلبة مثل شهور السنة، كُنت أرى الصيف والخريف فى يوم واحد، ولكن بعد الولادة، تحديدًا عندما رأيت طفلى وحملته بقلبى قبل يدى، شعرتُ بأن الربيع أتى، وطغى بجماله على حياتى، مثلما فعل سليم. صحيح أننى لا أجد وقتا كافيا للجلوس معه بسبب ضغوط العمل والمشوار اليومى من الهرم إلى جاردن سيتى، الكُل يجرى هنا.

أخبرتك بالأشياء السعيدة، ولكن هُناك شعوراً بالشجن لا يُفارقنى، انقلبت حياتنا جميعًا بوفاتك، العالم هُنا أصبح مخيفا ومظلما، كُنت شعاع النور الذى ينير حياتنا، كشفت الأيام لنا عن وجهها القبيح بعد رحيلك، الكُل يريد سرقة حقوقنا، نعم.. أخذوا ما لا حق لهم فيه، ولكن أمى، زوجتك رضا، خبأت الغصّة التى احتلت قلبها، وساعدتنا على النهوض مرة أخرى، ولكن كل فرحة فى بيتنا لا تمُر هكذا، بل تمتزج بدموع ساخنة، لم تبرد بعد 8 سنوات.

مُتشحين بطيفك، نجلس سويًا أول يوم العيد، لنتذكر عندما كنت تأتى فجرًا لتوقظنا على هداياك، وكأنّك بابا نويل، ولكن الفرق بينك وبين بابا نويل، الفطائر الطازجة التى كُنت تحملها وتأتى بها إلى المنزل، حتى لا تأكل بدوننا. أعلم أن رسالتى إليك طويلة، وقد تكون مُملة، لكن دعنى أخبرك بكلمة أخيرة، لعلّها تصل إلى السماء أيضًا.

يا أبى، يا مصطفى، أحاول أن أبقى كما تركتنى، يعلم الله أننى لا أحمل ذرة حقد أو حسد، لا أعلم لماذا يرانى البعض شريرة وكأننى أسوأ ما أنجبت الحياة، لكن لدى بعض الأصدقاء يرون طيبة قلبى دون حجَاب، الحياة لا ترحم أحدًا، كبرت يا مصطفى وأصبحت أدور داخل دائرة لا تنتهى، الحياة هُنا ثقيلة، أخاف التوهان بين الدروب، وحينما يجرفنى التيار بعيدًا أتذكر أن لدى طفلا صغيرا، يُمسك ملابسى أثناء نومه، يخاف ابتعادى عنه، وأخاف أنا على مصيره، كى لا يُصبح يتيما مثلى، أتذكر كُل هذا فأذهب إلى أقرب شباك يرسل إليك رسالتى.. محبتى لك من هُنا.

 نقلًا عن المصري اليوم القاهرية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رسالة إلى السماء رسالة إلى السماء



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

أجمل فساتين السهرة مع بداية فبراير من وحي إطلالات نجمات لبنان

القاهرة - مصر اليوم

GMT 10:31 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

أفضل وجهات السفر الرومانسية لقضاء عيد الحب 2026
  مصر اليوم - أفضل وجهات السفر الرومانسية لقضاء عيد الحب 2026

GMT 07:53 2025 الخميس ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

كيا سبورتاج 2026 تحصد لقب "أفضل اختيار للسلامة بلاس" لعام 2025

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 08:49 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:27 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العذراء الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 07:42 2018 السبت ,20 كانون الثاني / يناير

تعرف على سعر الدولار الأميركي في السوق السوداء

GMT 12:59 2018 الخميس ,18 كانون الثاني / يناير

صور مريم أوزيرلي في الحمام توقعها في المشاكل
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt