توقيت القاهرة المحلي 18:20:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

معوقات التنوير

  مصر اليوم -

معوقات التنوير

بقلم - سحر الجعارة

لماذا يبدو مصطلح «التنوير» غريباً خارج السوشيال ميديا، وكأنه مصطلح افتراضى وُلد على الشبكة العنكبوتية ولم يدخل حيز الواقع؟.. هل طبيعة الفئات المستهدفة من التنوير حددت وجوده فى هذه المساحة أم لأنها الأحدث والأكثر رواجاً الآن، أم لأننا ركزنا رؤيتنا للتنوير فى «الإصلاح الدينى» ولم نهتم بالجوانب الثقافية والاجتماعية والسياسية؟.

الحقيقة أن أى تطور اجتماعى أو سياسى يرتبط بالضرورة بالدين، كشرط أساسى للانطلاق والتحرر من أغلال التحريم، وحتى لا يظل المفهوم غريباً خذ مثلاً هذه التعريفات الدينية لمصطلحات سياسية: (العلمانية كفر.. الليبرالية يعنى أمك تقلع الحجاب).. هكذا وجد أنصار التنوير أنفسهم فى مواجهة كتائب المكفراتية ودعاوى الحسبة ممن يدعون أنهم متدينون، وأصبحت كل فكرة أو قضية اجتماعية هى «معركة دينية» بالأساس: (الختان، تعدد الزوجات، الدجل والشعوذة، الطب البديل وما يسمى الطب النبوى، النقاب والحجاب، التعليم المختلط، التعليم الدينى.. إلخ).

وإذا سلّمنا بأن التنوير هو ثورة عقلية بالأساس، وتخليص للإنسان من هيمنة ووصاية رجال الدين (أى دين) فهذا يدخلك مباشرة فى صراع محسوم لصالح المؤسسات الدينية صاحبة اليد الطولى فى التشريع، والذين بيدهم أداة ساحقة للتنويريين أنفسهم، وأعنى بها المادة (98 و) من قانون العقوبات، المعروفة اصطلاحاً بقانون ازدراء الأديان.. فكيف يثور العقل فى وجه الخرافات والمعجزات التى تم تكريسها وتعظيمها حتى أصبح رجل الدين نفسه «شبه مقدس»؟.

لقد نجح الفريق الأكثر عدداً، وأعنى «تجار الأديان»، وأتباعه فى شيطنة رموز التنوير فى مختلف العصور، من «ابن رشد» إلى الحاليين، وسوف نعود لهم ثانية، وفى مجتمع كمجتمعنا يغيب فيه «الرمز الثقافى» والزعامات السياسية أصبح «التنوير» لغماً لا أحد يجرؤ على الاقتراب منه إلا رئيس الجمهورية «عبدالفتاح السيسى».

فنجد رأس الدولة يطالب مرة بتجديد الخطاب الدينى من المؤسسة الدينية الرسمية، ثم من المبدعين والمثقفين، ثم يطرح رؤيته مراراً وتكراراً بإعادة فهم المعتقد وعدم فرض معتقدك على الآخر.. ثم يسود صمت الأموات لا أحد يتحرك لتنفيذ رؤية السيد الرئيس أو حتى للسعى فى ذلك، اللهم إلا بعض المثقفين والمفكرين الذين يقتصر وجودهم على «السوشيال ميديا»!. وفى غياب شبه تام للندوات الثقافية والملتقيات الفكرية أصبح التنوير نظرياً أكثر منه عملياً.. وأحياناً يشبه «الانتحار على سبيل الاعتراض».. فأنت تقدم «فكرة فلسفية» قد تنتهى بك إلى التكفير والقتل (د. فرج فودة نموذجاً).. أو تتحدث عن العلم والتجريب فى مواجهة تراث دينى وفكرى يستند إلى مصادر شبه مقدسة، ولم يخضع هذا التراث للمراجعة أو التنقية عبر تاريخه الطويل.. فى مقدمتها صحيح البخارى، وصحيح مسلم، وكتب ابن تيمية وغيرها.

وحماة هذا التراث ليسوا مؤسسات دينية وأهلية فحسب، بل يضاف إليهم ملايين السلفيين والتكفيريين الذين جعلوا من بعض هذا المصادر مرجعيتهم النظرية فى التنظيمات الإرهابية.

هل نحن إذاً نعانى من مناخ طارد للتنوير يكره العلم والمعرفة ويعادى الحرية والتسامح ليدخل غيبوبة من صنع المؤسسات الدينية؟.. أم أن تيار التنوير لم يتمكن من «أدوات التواصل» مع الناس؟.. هل فئة الشباب، وهى القطاع الأعرض المهيأ للتنوير والمستهدف منه، قد دخلت فى «هلاوس جنسية» بفعل «عبدالله رشدى» وأمثاله.. ثم أقنعها هو وغيره بأن التنويرى زنديق ومهرطق.. أم أن الشباب المتمركز على السوشيال ميديا -نقطة وجود التنويريين- هو وحده المؤهل للإيمان بالفكر التنويرى والعمل بها وتحقيقها على أرض الواقع؟.

علاقة الشباب بالثقافة والميديا القديمة والجديدة تبدو ملتبسة وتحتاج إلى دراسة متأنية لخريطتها، فهو نفسه القادر على صناعة «الداعية اليوتيوبر» وهو الذى نجّح أغانى المهرجانات، وهو الجمهور العريض للسينما أيضاً والأكثر مشاهدة للمسلسلات؛ الأنواع السابقة من الميديا تؤكد انصرافه عن الشأن السياسى والثقافة بمعناها الواسع (وربما انخفاض مبيعات الصحف وتزايد معدلات مشاهدة المنصات الرقمية).. أما إن رأيته كيف يتفاعل مع دعاة التنوير على السوشيال ميديا وعرفت متابعته لمَن من الكتاب والمفكرين والسياسيين أيضاً.. لأدركت أن حالة الوعى العام للمجتمع فى نضج وتزايد وأن الشباب متعطش لـ«ثورة العقل».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

معوقات التنوير معوقات التنوير



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

حلا الترك تخطف الأنظار بإطلالاتها الشبابية الراقية

المنامة ـ مصر اليوم

GMT 09:07 2026 الأربعاء ,13 أيار / مايو

حكم العمل في الأماكن التي تبيع محرمات

GMT 09:00 2026 الأربعاء ,13 أيار / مايو

أذكار الصباح اليوم الأربعاء 13 مايو/ أيار 2026

GMT 09:31 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الميزان الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 14:34 2014 السبت ,12 إبريل / نيسان

أعداد هائلة من المواطنين تهاجر السويد

GMT 01:45 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

أسعار هيونداي IONIQ 6 الكهربائية في السوق المصري

GMT 15:22 2021 السبت ,07 آب / أغسطس

فريال أشرف تهدي مصر أول ذهبية منذ 2004

GMT 20:35 2021 الإثنين ,11 كانون الثاني / يناير

أسهم "تويتر" تهوي 8 % في ألمانيا بعد تعليق حساب ترمب

GMT 08:50 2020 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

حريق هائل بمصنع أقطان شهير في الغربية يسفر عن إصابات

GMT 08:54 2020 الخميس ,17 أيلول / سبتمبر

ضبط المتهم الرئيسي بقتل سيدة خليجية في الجيزة

GMT 08:53 2020 الخميس ,27 آب / أغسطس

تعرف على طرق الاستعلام عن بطاقة التموين

GMT 19:19 2020 الجمعة ,26 حزيران / يونيو

جيش الاحتلال يعتقل فلسطينيًا من محافظة نابلس

GMT 10:33 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

خطأ فادح في مشهد من مسلسل النهاية

GMT 22:28 2018 الجمعة ,26 تشرين الأول / أكتوبر

توقيف رئيس حي غرب الإسكندرية بتهمة تقاضي رشوة 30 ألف جنيه
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt