توقيت القاهرة المحلي 18:24:34 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عن المنيا التى أحبها

  مصر اليوم -

عن المنيا التى أحبها

عمار علي حسن

تأخذنى طائرات وقطارات إلى مدن فى مشارق الأرض ومغاربها لكن يبقى للمنيا، الوديعة المجهدة، ألق الدهشة الأولى، وفيض الحنين الجارف، والذكريات التى لا تغرب أبداً، إلى شوارعها التى تنساب فى جهات ثلاث، والنيل المسافر بجانبها فى وقار، يعانق جبلاً أشمّ، يمنحها صلابة تقوّيها على ظروفها الصعبة. قد لا تكون المنيا استثناء بين مدن الآمال المؤجلة، التى تتقاطر كعقد الجمان المنطفئ على جانبى شريط السكة الحديد الذى يشق الصعيد من ناصيته حتى أخمص قدمه الفتية القوية، وليست استثناء أيضاً فى منحها مصر رجالاً سمراً أشداء، ولا مفكرين بقدر طه حسين، أو شيوخاً بقامة الأخوين مصطفى وعلى عبدالرازق، ولا نساء جريئات طموحات عارفات مثل هدى شعراوى.. فمدن مصر معطاءة، كل على قدر طاقتها. لكن المنيا استثناء فى قسوة الأحوال، وضيق ذات اليد. فهى إن كانت تشاطر مدن الصعيد غياب الاستثمارات الخاصة الكبيرة والمشروعات العامة القادرة على استيعاب فائض شبابها، فهى فقيرة فى رقعتها الزراعية، إذ يضيق الوادى عندها ليصبح شريطاً أخضر ضئيلاً، تهاجمه الصحراء الغربية بضراوة، وتحده هضبة البحر الأحمر بصرامة. ومع ازدياد حجم سكانها، تتهاوى المنيا، بمدنها وقراها ونجوعها، إلى أسفل سلم «التنمية البشرية» فى مصر، لتستقر فى ذيل القائمة، حاملة رقم ستة وعشرين، بصبر لا يلين. هذه الظروف القاسية جعلت أكثر المشروعات رواجاً فى مدينة المنيا هى المقاهى. وتلك ظاهرة لا تخطئها عين، فعلى ضفتى شارع «الحسينى»، الذى يصل أبعد طرفين فى المدينة، تتراص المقاهى، غارقة وسط سحب الدخان الأسود، والأبخرة المتصاعدة من أكواب ساخنة، يرتشفها شباب يجلسون فى استسلام يروضون الوقت، ربما منذ أن تحلّ الشمس فى قلب السماء حتى الهزيع الأخير من الليل. وحين يهدّهم تعب الجلوس، ينفضون ملابسهم، ويتفرقون فى الشوارع الضيقة المكللة بالهدوء إلى بيوتهم، انتظاراً ليوم جديد من البطالة الممقوتة. وتعيش المنيا رواسب ثقافة «مجتمع الموظفين»، ورغم أن الوظيفة الحكومية قد تبخرت وكادت أن تكون واحدة من المستحيلات، ومع أن الموظفين باتوا، بعد المد الانفتاحى الذى اجتاح مصر بدءاً من عام 1974، من شريحة المساكين الذين يستحقون الصدقة، ينتظر شباب المنيا الملازمون المقاهى، مقعداً متهالكاً على مكتب صدئ بمؤسسة بائسة، لا تنتج شيئاً، وتعيش عالة على خزينة الدولة التى أتى الفساد والكسل على أغلب ما فيها. قلة من شباب المنيا تتمرد على الكسل وتقتل الانتظار وتحمل أمتعتها وتسافر إلى الشمال فى مغامرات لا تتوقف، أو تفرّ خارج القطر المصرى كله، بحثاً عن أرض براح ورزق وفير، وشعارها الدائم «فى السفر سبع فوائد».. يتفرقون فى بلاد الناس، وترحل بهم السنوات، لكن أحداً منهم ليس بوسعه أن ينسى وداعة المنيا، ولا أُلفتها، وصحبة ناسها الطيبين، وليس بإمكانه أن يطرد الحسرة التى تنشب أظافرها الحادة فى روحه، حين يتذكر آلاف الشباب الجالسين على المقاهى يحملقون فى الفراغ، ويطلقون أمام أفواههم هالات متلاحقة من سحب صغيرة سوداء. نقلاً عن جريدة " الوطن" .

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن المنيا التى أحبها عن المنيا التى أحبها



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الضحايا المعتادون

GMT 10:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

ماذا تبقَّى من إمبراطورية طهران؟

GMT 10:15 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أميركا والمونديال والحذر والقدَر

GMT 07:30 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

كلاهما يبكي على ليلاه

GMT 07:24 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

رمضان و«فوبيا» الأرقام!

GMT 07:21 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

100 يوم حرب

GMT 07:19 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

باكستان في الشرق الأوسط الجديد

GMT 07:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الإجرام المجاني أصبح له ثمن

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:54 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

اكتشاف نظام مائي ومسجد مملوكي قرب قلعة صلاح الدين

GMT 02:42 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

أفكار لأجمل بدلات للرجل الأنيق في خزانته

GMT 08:53 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

القمر في منزل الحب يساعدك على التفاهم مع من تحب

GMT 12:03 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt