توقيت القاهرة المحلي 11:50:38 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مستشرق مولع بالتصوف (2 - 3)

  مصر اليوم -

مستشرق مولع بالتصوف 2  3

عمار علي حسن
ويعد كتاب المستشرق الإيطالى الكبير الدكتور جوزيبى سكاتولين «تأملات فى الحوار الدينى والتصوف: من أجل ثورة روحية متجددة» صرخة مدوية فى وجه كل من يريد أن يرسم الحدود بين الشرق والغرب بالدم، متكئا على تاريخ حافل بالغزوات والفتوحات والحروب والاستغلال وفائض القيمة والإرهاب، أو من يؤمن بالمقولة التى راجت بأن «الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا أبدا». فعلى النقيض من هذه المقولات العنصرية الجامدة، يسعى هذا الكتاب إلى فتح طريق وسيع وتعبيده أمام الحوار بين الأديان، ويبرهن على أن الحوار «البين دينى» هو الترياق الشافى من التيارات المادية المغالية التى تشيعها «العولمة التسويقية»، وكذلك من النزعات القبلية التى أصابت التصورات الدينية وغير الدينية، بما رمى البشرية إلى حال مزرٍ، تكاد فيه تفقد إنسانيتها وهويتها. وأعطى الكاتب قضية الحوار اهتماما بارزا وقلّبها على كافة دروبها ووجوهها «الأنطولوجية» و«الأنثروبولوجية» و«اللاهوتية» بعد أن عاد إلى الجذور البعيدة لمفهوم «الحوار» ذاته فى الثقافة الإنسانية، منطلقا من أن الإنسان «كائن حوارى بطبعه»، يتحاور مع ذاته ومع غيره من البشر ثم يعلو ليتحاور مع أساس الوجود نفسه، أى مع المطلق أو الذات الإلهية، وهذا هو غاية الحوار وهدفه الأقصى والأسمى. ويقدم سكاتولين الرؤية المسيحية للحوار التى تقوم على أن الكائن البشرى يشارك فى الحياة الإلهية، ثم يعرج على رؤية الأديان الأخرى والفلسفات الحياتية للخلاص البشرى (الإسلام الطاوية، البوذية الهندوسية)، ويقر بأن الله منح خلقه الكثير من هباته أو صفاته الإلهية، ومنحهم أيضاً محبته ورحمته المتسامية. وهذا التأسيس النظرى والفلسفى والصوفى واللاهوتى ينتهى بسكاتولين إلى القول بأن «الجماعات الدينية شأنها شأن الجماعات البشرية الأخرى لا يمكن أن تعيش بمعزل عما حولها، منغلقة فى عالمها الدينى الخاص»، وهذا يفتح فى نظره بابا وسيعا نحو الإيمان بوحدة «المصير الإنسانى»، إذ إن الأديان نفسها، لا تمنع من التواصل ليس فقط بين أتباعها لكن أيضاً بين مقولاتها هى ذاتها. فمع التنازع الذى صار ويصير بسبب الأديان وغيرها، فإن الواقع البشرى الملموس يثبت أن تاريخنا هو «تاريخ التلاقى الواقعى بين مختلف الشعوب والحضارات»، ومن هنا فالحوار قائم، عنوة أو طواعية، ويجب على الأديان التى «تلمس قلب الإنسان فى مستواه الأعمق» أن تبتعد بالحوار عن مساحات العنف والإكراه إلى رحابة السلام والمحبة. وتسمو قضية الحوار عند سكاتولين ليرى أن التاريخ الإنسانى، أو مغامرة البشر المستمرة، هى عبارة عن حوار بين الله والبشر، ليرى أن المنجز الذى يقدمه الناس فى الحياة الدنيا يجب ألا يقتصر على الأشياء المادية الظاهرة والملموسة، بل يجب أن يتجاوز هذا إلى المطلقات حتى يمكن فهم التاريخ فى المقاوم الأول على أنه تاريخ مسيرة الإنسان نحو كماله الذاتى، ومن هنا تصبح مسيرتنا الحياتية برمتها هى «تاريخ كونى للخلاص»، ولا ينقص منه أن التاريخ الدينى لنا لم يكن إيجابيا فى أغلب الأحيان، ولم يكن تلقيا صافيا ورائقا لأبجديات الحوار مع الله. وللحوار الدينى طرقه فى نظر سكاتولين، وكذلك أشكاله ومستوياته، المتدرجة من حوار على مستوى الحياة، ثم على مستوى الأعمال، فالفكر الدينى، وبعدها الخبرة الدينية. وهذا التدرج هو جزء من برهان ناصع يبين أن الحوار بين الأديان يمس قلب كل دين على حدة. ولا يكتفى الكاتب بهذا التجريد النظرى، بل ينحو إلى تقديم بعض الاقتراحات من أجل حوار جاد بين المسيحية والإسلام، فى مجالات ثلاثة، العقل وطريقه البحث العلمى، والفكر الدينى اللاهوتى، والخبرة الروحية الصوفية Mystic، التى تنقل الإنسان من البرهان والمنطق إلى خبرة وجودية مختلفة يتصل خلالها الإنسان بالسر الإلهى الأقدس، وهو الله. والمجال الثالث هذا يمهد لانتقال الباحث إلى دراسة ثانية فى ثنايا هذا الكتاب وسمها بـ«الروحانيات فى حوار أو حوار بين الروحانيات»، يعرض فيها التساؤلات التى تطرحها الأديان على الإنسان المعاصر، الذى يعانى من تحديات العولمة، حيث قيم السوق، والانحيازات الثقافية المفرطة، والتردى الأخلاقى والدينى، واستيقاظ النعرات القبلية الجديدة، من عرقية وثقافية ودينية. ولمواجهة هذه التحديات يضع سكاتولين أربعة متطلبات أساسية، يجب على كل دين أن يلبيها، وهى: العودة إلى الرسالة الأصلية، ومواجهة الحداثة المعاصرة، والحوار مع الأديان الأخرى، والالتزام الصارم بالعدالة فى عالم يميل إلى التظالم والتفاوت. ومن جديد يعود الكاتب إلى رحاب التصوف، ليجد فيها «الحل»، ويدعو إلى حوار مثمر بين كل التقاليد الروحية الصوفية من مختلف الأديان، لاسيما التصوف الإسلامى والمسيحى، من دون قيد ولا شرط، حتى ترسو «القرية العالمية» على شاطئ الأخوة والمحبة والسلام. (ونكمل غدا إن شاء الله تعالى) نقلاً عن جريدة "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مستشرق مولع بالتصوف 2  3 مستشرق مولع بالتصوف 2  3



GMT 11:38 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

المرونة الاستراتيجية

GMT 11:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

اختراق العالم العربى !

GMT 11:36 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

تجربة مُلهمة

GMT 11:35 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

أوبيليسك!

GMT 11:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وتسويق الملفّ النووي…

GMT 11:25 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

تساقط المدن

GMT 11:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وإسرائيل وما بينهما

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt