توقيت القاهرة المحلي 01:56:07 آخر تحديث
  مصر اليوم -

كوريا الجنوبية ومصر .. فرصة ضائعة

  مصر اليوم -

كوريا الجنوبية ومصر  فرصة ضائعة

بقلم : مصطفي الفقي

 ما أكثر ما أضاعت مصر عبر تاريخها الطويل من فرصٍ كان يمكن أن تسهم فى الارتقاء بمستوى معيشة المصريين وفتح آفاق أكثر رحابة لهم، ومازلت أتذكر من فترة عملى سكرتيرًا للمعلومات للرئيس الراحل مبارك - رحمه الله - أننا واجهنا فرصة ذهبية أفلتت من يدنا بسبب الحياء المصرى والوفاء لمن قدم للكنانة خيرًا فى لحظات عصيبة وأوقات صعبة، فقد أبلغت ذات مساء فى منتصف ثمانينيات القرن الماضى بأن قنصل عام كوريا الجنوبية (ولم يكن لها تمثيل دبلوماسى على مستوى السفارة فى مصر ولا معظم الدول العربية والإفريقية اكتفاءً بتمثيل قنصلى محدود لرعاية بعض المصالح لأن معظم تلك الدول كانت تقيم علاقات دبلوماسية مع كوريا الشمالية وليست الجنوبية) قد طلب موعدًا عاجلاً للقائى لأنه يريد أن يوصل رسالة شفهية عاجلة للرئيس مبارك، وقد استقبلته صباح اليوم التالى وابتدر الحديث قائلاً إنه ذهب إلى الوزير حسب الله الكفراوى بشأن هذه الرسالة وهو الذى نصحه بأن يتصل بمكتب الرئيس للمعلومات كحل أسرع، وربما أكثر فاعلية بدلاً من الدوران بين الوزارات والمسئولين.

وقد اشتد تركيزى للحديث المثير من جانب المبعوث الكورى الجنوبى وبدأت أستمع إليه بشغف كبير، وتحدث الرجل عن أنه يعلم حجم مصر ومكانتها فى هذه المنطقة من العالم، وأنه يحمل رسميًا اقتراحًا من بلاده وقيادتها العليا بالشراكة فى واحدة من أكبر المشروعات فى القارة الإفريقية، وربما الشرق الأوسط كله، وهو ذلك الذى يتصل بالتدريب المهنى وإجادة الحرف المختلفة على أحدث الطرق مع تنوعها وتعدد أساليبها، وقدم لى يومها قائمة بأكثر من خمس وثلاثين حرفة يدوية ومهنة أساسية فى مجال الإعمار والبناء واللوازم المتصلة بها والمساعدة عليها من النجار المسلح حتى الوصول إلى الممرض المتخصص، ولما كنت مقتنعًا بأن الوقود المستمر للتنمية المستدامة هو ذلك النوع من الحرف والمهن، لذلك وجدتنى أتجاوب مع أفكاره لعلمى بخبرتهم فى هذه المجالات، فكوريا الجنوبية التى حاولت دراسة التجربة الناصرية فى منتصف القرن الماضى فى عصر الرئيس عبدالناصر هى جارة اليابان التى حاول حكامها الأوائل فى منتصف القرن التاسع عشر دراسة نتائج التجربة المصرية بعد محمد على، وقد استطرد المبعوث الكورى قائلاً: إننا نريد قطعة أرض واسعة ولتكن عدة آلاف من الأفدنة فى منطقة صحراوية قريبة من مصادر المياه لتأهيل العاملين فى الحرف المهنية الكبرى لخدمة أهداف الفكرة التنموية المشتركة، ثم أضاف إننا نرى أنه بعد سنوات معدودة سوف يكون فى مصر أكبر مركز عالمى للتدريب المهنى المعاصر والذى سوف يتمكن من تخريج الآلاف كل عام بعد ذلك ممن جرى إعدادهم على أعلى مستوى لخدمة فروع التنمية فى مختلف المجالات، ثم ابتسم المبعوث قائلاً: إن بلادى تعرض عليكم مع هذه الصفقة وتنفيذًا لهذه الفكرة نصف مليار دولار أمريكى من فائض الخزينة الكورية الجنوبية لخدمة تنفيذ هذا المشروع الضخم، وسوف نعتبره قرضًا بفائدة واحد من عشرة بالمائة لأن الدستور فى بلادنا يمنع تقديم معونات مادية بلا عائد، ويوافق على القروض فقط، وهنا قاطعته متسائلاً لماذا كل هذا مع مصر تحديدًا؟.

فأجابنى بصراحة ووضوح بأن بلاده تأمل فى إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع مصر لأن ذلك سوف يكون بوابة الدخول لكثير من الدول العربية والإفريقية والاعتراف بها والتعامل معها، وقد استمعت إلى كل ما قال وسجلت ذلك فى محضر مكتوب وشكرته مع وعدٍ بأن أرد عليه خلال أيام قليلة، وجاءت فرصتى لعرض الموضوع على الرئيس مبارك فى اليوم التالى مباشرة، وشرحت له كل مادار بينى وبين القنصل العام الكورى الجنوبى والفوائد المتوقعة من هذا المشروع الكبير الذى يمهد لعملية غزو عمرانى واسعة من جانب مصر وكوريا الجنوبية لمعظم الدول الإفريقية والعربية، خصوصًا أن المبعوث الكورى قد أشار فى نهاية حديثه إلى أنهم يفعلون ذلك لأنهم يعلمون بأننا مقبولون عربيًا وأفريقيًا فى تعليم هذه المهن بحكم اتفاقنا مع شعوبها فى اللغة والدين ومعظم العادات والتقاليد، وعندما استمع الرئيس إلى الاقتراح كاملاً قال لي: إن هناك عقبة كبيرة لا أستطيع تجاوزها، فربما أنت لا تعلم أن كوريا الشمالية هى التى أمدتنا بقطع الغيار لطائراتنا فى حرب أكتوبر 1973 وكان ذلك عاملاً حاسمًا فى النتائج الإيجابية لتلك الحرب بالنسبة لنا، ولا يجوز أن نتخلى عنهم بعد هذا العطاء الضخم ومصر لا تنسى من يساعدها فى وقت الشدة، وذلك رغم أن الصين والاتحاد السوفيتى كانا قد تبادلا حينذاك البعثات الدبلوماسية مع العاصمة الكورية الجنوبية فى سول، وهكذا أسدل الستار على واحدٍ من الفرص الضائعة بسبب أخلاق أبناء الكنانة والوفاء المصرى فى كل الظروف وكل الأوقات.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كوريا الجنوبية ومصر  فرصة ضائعة كوريا الجنوبية ومصر  فرصة ضائعة



GMT 11:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وتسويق الملفّ النووي…

GMT 11:25 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

تساقط المدن

GMT 11:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وإسرائيل وما بينهما

GMT 11:23 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

... عن الفضيحة والرأسماليّة

GMT 11:22 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

سير ستارمر... يستقيل أمْ يُقال؟

GMT 11:21 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الخطوط الحمر

GMT 11:20 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

عن «قاموس هيدغر» ومسألة الشرح الفلسفي

GMT 11:19 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الإمبراطورية الألمانية... زمن صحوة البوندسفير

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكيل محمد صلاح يبدأ مفاوضات انتقاله إلى نادٍ سعودي

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt