توقيت القاهرة المحلي 19:28:03 آخر تحديث
  مصر اليوم -

اعترافات ومراجعات (54).. الدور المسحور والجيل المسروق

  مصر اليوم -

اعترافات ومراجعات 54 الدور المسحور والجيل المسروق

بقلم - مصطفي الفقي

شاع هذا التعبير الذى أطلقته فى مطلع تسعينيات القرن الماضى عندما تراءى لى أن كل مَن يحتل منصبًا مهمًّا يعتبره ميراثًا لا يتركه ومكانًا لا يبرحه، وكانت مدد بقاء الوزراء فى ذلك الوقت تربو على السنوات العشر، بل أكثر من ذلك فى أحيانٍ كثيرة، مما دفعنى إلى أن أرفع صوت جيلى الذى كان يقترب من منتصف الخمسينيات لكى أقول إن الفرصة ضاعت علينا لأن بقاء كبار المسؤولين من قيادات ووزراء يكون لمدد مفتوحة تضرب بالضرورة أجيالًا تالية وتحرمها فرصتها المنتظرة.

وشبهت فى مقالى حينذاك ما يجرى بأننا كمَن يركب المصعد الذى لا يقف على (الدور المسحور) الذى تتركز فيه مواسير الغاز وسلوك الكهرباء ومواتير المياه وغيرها، فهو الدور الذى يتحمل مسؤولية، ولكنه لا ينال العائد، ويظل منتظرًا حتى يتقدم به العمر، فيقول له أصحاب القرار إنك قد تجاوزت السن واترك الفرصة لغيرك، فهناك أجيال جديدة قادمة.

وكأنما لم يكن هو مواطنًا مصريًّا حتى النخاع يعمل من أجل بلده بأقصى ما يكون العمل، ولكنها سُنة الحياة التى تجعل الفرص تفلت بغير عدالة، كما تطيح بأسماء تستحق أن تنال شرف خدمة بلدها فى مواقع مهمة هم أقرب من غيرهم إليها، وربما أكثر إدراكًا لأهميتها، وعندما كتبت ذلك المقال توالت ردود الفعل السريعة من كل اتجاه، وكأنما نكأت جراحًا ملتهبة أو ضربت على وتر حساس.

واستجاب الجميع لما أقول، وانبرت الأقلام تؤيد ما ذهبت إليه، وتعبر عن حزنها المكتوم وغضبها الواضح لتخطى أجيال معينة من المواقع بعيدًا عما كانوا يستحقونه، وقد اتصل بى وقتها الأستاذ الدكتور عصام شرف، رئيس الوزراء الأسبق، هاتفيًا- وكان وزير النقل حينذاك- وقال لى إنه تأثر بالمقال، وأضاف أن المصعد الذى يتحرك إنما تشده رافعة هى الجيل الذى بنى، بينما المستفيد قد يكون هو الجيل الذى جنى!.

وقد كانت مبادرة طيبة من الوزير لترطيب الأجواء ومخاطبة الأجيال الجديدة بما يُرضيها، حتى لو دغدغ مشاعرها، ولابد أن أعترف هنا أن الشباب بعد سن معينة تزداد تطلعاته، وتتركز أحلامه على مواقع السلطة ومقاعد المسؤولية، ثم تبدأ طموحاته فى التضاؤل، وقديمًا قال لى زميل بكلية الحقوق إنه فى السنة الأولى كان يطمح أن يكون وزيرًا للعدل، وفى السنة الثانية تواضع قليلًا مكتفيًا بمنصب النائب العام، وفى السنة الثالثة تطلع فقط أن يكون محاميًا معروفًا، فلما جاءت السنة الرابعة أصبح كل همه أن يتخرج ويحصل على ليسانس الحقوق!، وتلك سُنة الحياة دائمًا تشدنا إلى الواقع.

وتهبط بنا إلى المتاح، بعد أن حلقت بنا أحلامنا فى سماوات المناصب ومرتفعات المسؤولية، بحيث يتصور كل منّا أنه حالة خاصة يحمل على كاهله مظلومية ثقيلة، وقد يكون الأمر غير ذلك تمامًا، لهذا فإننى أتذكر الآن تعبير الجيل المسروق أو تعبير الدور المسحور الذى ارتبط بى لسنوات طويلة، وأعبر الآن عن انتقادى لذلك النوع من التفكير، إذ أدركت الآن أن قيمة الإنسان ليست بالمناصب ولا بالمقاعد.

ولكنها تأتى بالتألق الفكرى والرقى الإنسانى مع الرؤية البعيدة والنفسية الصافية، وها أنا ذا أزحف نحو الثمانين، وأقول لأبنائى وبناتى إن قيمة الإنسان تتلخص فى مجموع الأوقات السعيدة التى قضاها والعلاقات الطيبة التى كونها، لذلك فإنه من المنطقى أن يفكر الإنسان بطريقة مختلفة ليست بالضرورة هى تلك التى عانينا منها عند أزمة منتصف العمر حين كان ينظر المرء خلفه غير مقتنع بما فعل أو غير راضٍ عما حقق، ثم ينظر أمامه فيستبعد أحلامه.

بل تختفى تطلعاته، إنه درس الحياة الذى يجب أن تَعِيَه الأجيال الجديدة حتى لا نتحدث عما يمكن تسميته (صراع الأجيال)، بل نتحدث عما يمكن تسميته (تواصل الأجيال)، بالمعنى الإيجابى للكلمة والمفهوم الإنسانى للدور والحس البشرى تجاه الآخرين!.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

اعترافات ومراجعات 54 الدور المسحور والجيل المسروق اعترافات ومراجعات 54 الدور المسحور والجيل المسروق



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:54 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

اكتشاف نظام مائي ومسجد مملوكي قرب قلعة صلاح الدين

GMT 02:42 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

أفكار لأجمل بدلات للرجل الأنيق في خزانته

GMT 08:53 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

القمر في منزل الحب يساعدك على التفاهم مع من تحب

GMT 12:03 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب

GMT 23:58 2019 الإثنين ,06 أيار / مايو

سيرين عبد النور تُغازل تيم حسن "شكلاً وموهبة"

GMT 06:12 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

آمال بدر تكشف عن أبرز الأفكار لتزيين المنزل بـ"الباسكت"

GMT 11:07 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

موديلات أحذية عملية ومريحة لاطلالات الجامعة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt