توقيت القاهرة المحلي 03:55:34 آخر تحديث
  مصر اليوم -

النعمة والنقمة في الاستثناء اللبناني

  مصر اليوم -

النعمة والنقمة في الاستثناء اللبناني

بقلم : عريب الرنتاوي

لطالما سكنني الاعتقاد بأن لبنان "نسيج وحده"، وأنه الاستثناء للقاعدة العربية ... ليس فقط لأن الراحل الكبير محمود درويش نسج من حروف ثلاثة "حكاية" لبنان بأسرها: بحر وحرب وحبر وربح، بل لأن هذا البلد الذي جعل من ضعفه قوة ذات يوم غابر، أحال في العشرية الأخيرة من السنين، قوته الفائقة إلى ضعف وهشاشة.

لبنان هو البلد العربي الذي سطر معجزتين اثنتين في عامين متلاحقين، سرعان ما تبخرت نتائجهما وكأنها لم تكن ... الأولى؛ عندما نجحت مقاومته في الخامس والعشرين من أيار عام 2000 في كنس الاحتلال الإسرائيلي عن أراضيه، من دون معاهدة، وبلا قيد أو شرط، ليكرس بعد سنوات ست "ميزان رعب" مع الجيش الذي لا يقهر، وليخلف "عقدة" ضاربة في عمق الوعي الجمعي والفردي للإسرائيليين أسمها جنوب لبنان وحزب الله.

والثانية؛ عندما خرج أكثر من ربع سكانه المقيمين، أكثر من مليون شاب وفتاة إلى الشوارع في انتفاضة 14 آذار 2005، أو ما أسمي لاحقاً بـ "ثورة الأرز" مطالبين بالحرية والكرامة والتحرر من الهيمنة السورية، وقبل أن تعرف الشوارع والميادين العربية بعد ست سنوات، ربيعها وثوراتها المليونية.

كلتا المعجزتين تبددت نتائجهما وثمارهما على مذبح الانقسام المذهبي والطائفي القاتل ... تحول "نصر المقاومة والتحرير" إلى اصطراع مذهبي قاتل، ونشأت في مقابل ثورة الأرز، اصطفافات أعادت أمراء الحرب والطوائف إلى سابق عهدهم ومكانتهم على رأس نظام المحاصصة المذهبية والطائفية، لكأن الأرض لم تتحرر من الاحتلال الإسرائيلي، والشعب لم ينعتق من الهيمنة السورية.

لم يقف الحال عند هذا الحد، ففي العامين الفائتين تكررت حكاية لبنان مع "المعجزات" وإن بأحجام أصغر ودرجات أقل من الإبهار والإعجاز ... نجح حزب الله في طرد جبهة النصرة من جرود عرسال والحدود الشرقية، ممهداً طريق الجيش اللبناني لاستكمال المهمة في جرود راس بعلبك والقاع، وبدل أن يكون هذا الإنجاز نصراً للبنان ونعمة له، تحول إلى سبب إضافي للاحتراب ونقمة تنذر بالويل والثبور وعظائم الأمور.

على خط آخر، كان شباب الرابع عشر من آذار يتجددون ويجددون حضورهم في الحراك المدني الذي بدأ بشعار "بدنا نحاسب" و"طلعت ريحتكم" وصولاً إلى تهديد زعامات الإقطاع السياسي في الانتخابات البلدية و"بيروت مدينتي" ... استنفر أمراء الحرب من جديد، والغريب أنهم توحدوا في مواجهة هذا التهديد، وتبددت مفاعيل الحراك المدني، مثلما تبدد نصر الجرود على مذبح الانقسامات المذهبية والطائفية، وتحولت النعمة إلى نقمة من جديد.

في ميادين المقاومة المسلحة ومقارعة الاحتلال، كان لبنان رائداً ... وفي ميادين المقاومة الشعبية والمدنية والحراك الشبابي السلمي، كان لبنان طليعياً، لكن لبنان "المعجزة" غير مسموح له على ما يبدو أن يستفيء بنعمه ومنجزاته، ونظامه السياسي أعجز من أن يترجم طاقات أبنائه وإبداعاتهم وجرأتهم وتضحياتهم، إلى نتائج مستدامة، وفي أي حقل من الحقول.

لا نريد أن نحمل لبنان وحده، وزر الفشل في ترجمة الريادة و"الطليعية"، فثمة إقليم من حوله ومن حولنا، يضيق ذرعاً بكل هذا وذاك وتلك، فللمحاور والمرجعيات رأي آخر ومصالح مغايرة .... لا مجال معها لا لترجمة النصر على إسرائيل ولا لتكرس الاستقلال عن سوريا ... لا مطرح في لبنان إلا لأمراء الطوائف، لأنهم رؤوس الجسور للنفوذ الإقليمي في لبنان وعليه ... ولأنهم، وهذا هو الأهم، فرسان حروب الوكالة وصراعات الأدوار والنفوذ، في لبنان، ومؤخراً في عموم الساحة المشرقية ... لبنان "الاستثناء" منكوب بـ"القاعدة" العربية والإقليمية، والقاعدة هنا تقول أنه يحظر على هذا البلد، أن يكون نموذجياً وطليعياً ومبادراً، فحريته محرجة للآخرين، وتحرره يذكرهم بقيودهم وأغلالهم وعجزهم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

النعمة والنقمة في الاستثناء اللبناني النعمة والنقمة في الاستثناء اللبناني



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

نانسي عجرم وأنغام تتصدران موضة إطلالات السهرة اللامعة

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 11:15 2020 الأربعاء ,08 تموز / يوليو

تجاربك السابقة في مجال العمل لم تكن جيدة

GMT 05:51 2019 الأحد ,20 تشرين الأول / أكتوبر

رانيا يوسف تنتهي من تصوير مسلسل" الآنسة فرح"

GMT 03:51 2020 الأحد ,26 إبريل / نيسان

السيطرة على حريق هائل نشب في عقار بمدينة نصر

GMT 11:11 2022 السبت ,03 أيلول / سبتمبر

ناسا تستعد لاطلاق صاروخا جديدا

GMT 01:19 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

رد فعل رانيا يوسف بعد السخرية منها في مهرجان الجونة

GMT 19:49 2020 الأحد ,12 إبريل / نيسان

أسعار البلح في مصر اليوم الأحد ١٢ أبريل
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt