توقيت القاهرة المحلي 16:03:02 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«حريتى أن أوسّع زنزانتى» (1-2)

  مصر اليوم -

«حريتى أن أوسّع زنزانتى» 12

عمار علي حسن


«حريتى أن أوسّع زنزانتى».. كثيراً ما يردد كتّاب عرب كثر هذا المقطع الشعري الرائق والعميق الذى أبدعته قريحة محمود درويش، كلما هموا ليكتبوا حروفهم على الورق، أو ينطقوا بها عبر الإذاعات والفضائيات، معتبرين، أو حتى متوهمين، أن ممارسة الكتابة أو جريان الكلام على اللسان تقربهم من التحرر والخلاص الذى ينشدونه، والذى دفع كثيرون منهم فى سبيله ما فوق طاقتهم من العرق والدم والدموع والوقت والجهد والأحلام المجهضة.

وحين اندلعت الثورات تهلل هؤلاء ودقوا الهواء بأيديهم وصرخوا: ها قد جاءت لحظة التحرر التى انتظرناها طويلاً حتى اشتعلت الرؤوس شيباً وشاخت النفوس، لكن هذه اللحظة سرعان ما تبخرت تحت وطأة الإرهاب والعسكرة والفوضى والقتل والتشرد والأطماع الرخيصة واهتزاز الدول وعشوائية الكيانات الاجتماعية وتأخر الثورة الفكرية والإصلاح الدينى.

كأن «درويش» يلخص بعبارته تلك حال الكاتب العربى، قبل الثورات والانتفاضات وبعدها، فما إن خطفه الحلم إلى حرية مجنحة، حتى رده الواقع الأليم إلى رغبة فقط فى توسيع الزنزانة، أو تحسين شروط الحياة القاسية داخل السجن الكبير. ومثل هذا التصرف هو ما يفعله المتفائلون، أما اليائسون فينسحبون داخل نفوسهم المهيضة، ويسحبون جدران الزنازين المظلمة لتضيق عليهم أكثر.

لكن هؤلاء وهؤلاء لا يحجبون أبداً أولئك الذين لا يغادرهم الأمل فى تحصيل الحرية مهما طال الزمن وزاد العناء، حرية التفكير والتعبير والتدبير، كاملة غير منقوصة، ومبدئية لا مساومة عليها، وثمينة لا موضع لمقايضتها بأى شىء، لا بالأمن ولا بالخبز، فلا شىء يغنى عن الحرية، ومن يطلب أمنه على حساب حريته لا يستحق أمناً ولا حرية.

لكن مع شعار «تدرجوا واصبروا حتى تنضجوا فتنالوا حريتكم» المرفوع فى وجه كل من يريد حرية حقيقية «الآن.. وهنا» يغلب منطق المتشائمين الذى يقوم على أنه لم يعد أمام كل منا سوى أن يحمل زنزانته فوق ظهره، فتسير معه فى غدوه ورواحه، وحله وترحاله، وليس له أن يتخفف أو يتخلص منها، بل عليه فقط أن يترك ظهره ليعتاد على التحمل مهما طال الطريق، أو يتودد إلى الزنزانة فلا تُثقل من حمولتها فتعجزه عن السير تماماً، وهكذا حتى يصل إلى «المحطة الأخيرة» من عمره المترع بالشقاء، ويغمض عينيه، لينعم بالحرية الأخيرة والأبدية فى العالم الآخر.

المشكلة فى مثل هذا المسار، فى دنيا الناس، أن الزنزانة متعددة الجدران، فلا يكفى أن نهدم أحدها أو نصنع به كوة كافية لتهريب أجسادنا وأرواحنا منها حتى نجد أنفسنا أحراراً طليقين، بل علينا إما أن نمارس لعبة ترويض الوقت، أو أن نبحث عما نزيل به الزنزانة تماماً، وعندها علينا أن نتحمل نتيجة المغامرة، فإما التحرر وإما الموت، أو الموت فى سبيل الحرية.

ويقول الخائفون والمترددون منا: علينا قبل أن نقرر ماذا سنفعل أن نقرأ موسوعة الباحث العراقى عبود الشالجى التى سماها «موسوعة العذاب» ليسرد فى ثمانية مجلدات كاملة طرق تعذيب السجناء والمتمردين على السلاطين الجائرين فى التراث العربى، ونضيف إليها ثمانية مجلدات أخرى من صنع خيالنا، أو نتاج بحثنا أو تجربتنا، عن التعذيب عند العرب المعاصرين، الذين ما إن تخلصوا من صدام حسين ومعمر القذافى حتى سقطوا فى أفخاخ «القاعدة» وفروعها، و«داعش» وأتباعها، و«الحوثى» وأنصاره، دون أن يرحل كثير من المستبدين التقليدين والتاريخيين الذين تتبدل ظروف الناس حولهم وهم على قسوتهم قابضون.

قد تنفعنا فى هذه الحالة قراءة روايات عبدالرحمن منيف وصنع الله إبراهيم، ويمكن أن نختتم هذه القراءات بروايتين خفيفتين «العسكرى الأسود» ليوسف إدريس و«السرداب رقم 2» للعراقى يوسف الصائغ، لكننا قد نجد أنفسنا نعانق الخوف مع أحمد سعداوى نبحث عن «فرانكشتاين فى بغداد» أو دمشق، سيان، وبقية العواصم العربية ليست أحسن منهما سوى فى أن درجة الخوف أخف قليلاً، أو أنها مؤجلة بعض الوقت، أو هناك من يضغطون على أنفسهم بقسوة حتى يتفادوها، بدفع شىء آخر أو قيمة أخرى، قد تكون أجدى وأنفس.

ويُسدى هؤلاء الخائفون النصح إلى من يتهم بعض الباحثين بالانزلاق نحو التحيز والانتقاء المتعمد الذى يحرف الحقائق، وإلى من يعتقد فى أن كل ما بالروايات من صنع الخيال، بأن يقرأ ما كتبه معارضون عن تجربتهم فى سجون الحسن الثانى وحافظ الأسد ونجله الذى يهدم سوريا على رؤوس أهلها فى سبيل كرسيه الذى لم تتبق فيه سوى رجل واحدة، وكذلك ما كتبه الشيوعيون عن عذابهم المرير فى سجون صدام وقبله فى سجون عبدالناصر، والمتطرفون الإسلاميون فى أقبية القذافى، وليتجول فى السير الذاتية للمناضلين أو الرافضين العرب من المحيط إلى الخليج، سيجد أينما حل زنازين، كما تسمى فى مصر، أو مهاجع كما يطلقون عليها فى العراق والشام.

أما المتفائلون ممن لديهم العزم والجرأة على تحدى كل هذا دفعة واحدة، فسيهدمون الجدار الأول فى زنازيننا، جدار السلطة السياسية الغشوم الذى بُنى من التجبر والتسلط والفساد، فتنقص الحمولة الثقيلة الجاثمة فوق ظهورنا، ويكون بوسعنا أن نزيد من تلاحق خطواتنا إلى الحرية، خاصة إن كنا عازمين على هدم الجدار الثانى، دفعة واحدة، أو حتى لبنة لبنة حتى يغمرنا النور والبراح.

(ونكمل غداً إن شاء الله تعالى).

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«حريتى أن أوسّع زنزانتى» 12 «حريتى أن أوسّع زنزانتى» 12



GMT 08:27 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

«سكراب»

GMT 08:25 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

حرب الناقلات الثانية... الدرس الجديد

GMT 08:23 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

حين تقود المقاومة إلى كسر الوطن!

GMT 08:21 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

حرب الخليج الرابعة

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

خواطر في زمن الحرب

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

نيسان... أكاذيب عصيَّة على النسيان

GMT 08:13 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

حالة الحرب والزحام على التحليل السياسي

GMT 08:07 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

يوسف شاهين.. لا ملاك ولا شيطان!!

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 15:08 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

منة شلبي تتعاقد على مسلسل "عنبر الموت"
  مصر اليوم - منة شلبي تتعاقد على مسلسل عنبر الموت

GMT 05:45 2026 الإثنين ,23 آذار/ مارس

أودي تكشف الستار عن E7X الكهربائية الجديدة

GMT 08:10 2021 الثلاثاء ,14 أيلول / سبتمبر

الفنانة صابرين تعرب عن سعادتها بدورها في «عروستي»

GMT 13:57 2017 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

أحمد فتحي ينافس محمد مفتاح على لقب أفضل ظهير في أفريقيا

GMT 12:14 2021 الإثنين ,15 شباط / فبراير

شقيق ضحية عقار روض الفرج المنهار يوضح التفاصيل
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt