توقيت القاهرة المحلي 06:25:27 آخر تحديث
  مصر اليوم -

منسى فى إسطنبول.. مهداة إلى«عبدالله النديم» خطيب الثورة العرابية

  مصر اليوم -

منسى فى إسطنبول مهداة إلى«عبدالله النديم» خطيب الثورة العرابية

بقلم: عمار علي حسن

زرت أسطنبول مؤخرًا، وسألت كثيرا من المصريين الذين التقيتهم عن قبر عبدالله النديم لأزوره، فلم أجد بينهم اتفاقًا على مكانه، فعدت إلى مسكنى غاية فى الحزن على نسيان رجل عظيم، ووجدتنى أكتب هذه القصيدة:

أوجعتك قرى فى هروبك الطويل

أضناك ليل فى معانقة المستحيل

أكنت تظن أن الأيام حبلى بالبشارة؟

وأن الثوار يتناسلون كالرياح

صامدين كالجبال

قاطعين كالعبارة

يدقون الهواء

بقبضاتهم الفتية

لتظل راية القضية

تعانق السماء

ويأتى الصباح

بقيت أنت طائرًا على أجنحة الهيام

هم ذابوا فى حوارى غارقة فى الظلام

وتركوا الشوك والنار فى انتظارك

أينما حللت

مسربلًا بالخوف والتحدي

تطلق فى آذان الناس

عبارة ساخرة

جسارة هادرة

والقرى مستكينة لا تعطيك

سوى مكان للاختباء

فى ساعات الرجاء

والحفاة المنثورون بين الزروع

المنذورون لأيام جوع

يرفعون أكفهم للسماء

يطيلون الدعاء

أن تعود كما كنت

تطلق الكلام فى عروق الجنود

فيهجمون إلى الأمام

ويفتحون فوق الغمام

أفقًا للكرامة والبراح

لكن البارود المنهمر

كان بابًا للموت والجراح

أقوى من الحروف المشتعلة فى الدماء

أنشودة تغنى باسم الوطن

أيها المكسور

خلف التل

أيها المأسور

بين الكل

أكنت تظن أن الحروف رصاص

نصالًا تجز رقاب العدو

وأن الفضاء المسكون بنار المدافع

صفحات لسطورك السخية

وأنفاسك الرخية

يا ابن الفرَّان

ألم يعلمك يومًا أن الخبز ابن الجحيم

وأن السواعد الممدودة إلى الوقود

لن تعود

إلا بما يملأ البطون

وأن الرغيف

للجائعين

والرصيف

للتائهين

وأن الأوطان لمن يسرقونها

أمَّا الذين ينزفون دمهم فوق دروبها

يُطاردون حتى الرمق الأخير

يُدفنون إن ماتوا فى بلاد الناس

وينتظرون الحظ ودموع المخلصين

لتصير حبرًا ينادى

سطور تاريخ عجول

كى يقول:

كانوا هنا يدبون فى شوارع بلادهم

يملأ رؤوسهم وهم بأن السعادة تطول

وأن الفُرقة

حُرقة

وأن بين الناس من يرون الاغتراب

والاحتراب

صنفًا واحدًا من عيش سقيم

وأنهم إن دخلوه

بوسوسة من شيطان رجيم

فهذا لم يكن عن رضى

إنما استسلام لجريان الزمن

لسيوف المحن

والفوت

قبل الموت

يأتى كلمح البصر

لم يدخلوه راضين

فيا من تنطقونه من طرف ألسنتكم

تعالوا هنا لتعلموا أنه ساكن الحشا

ومن وشى

بالنديم لم يكن خائنًا

كان طامعًا صغيرًا

حقيرًا

مثل الذين لا يدركون سوى العابرات

وتبقى للكسور جابرات

الغفران

النسيان

الذى يجعل العيون تنام

فى بعض الأحيان

عن التى خانت

عن الذى خان

لا يهتم هؤلاء بالخلود

إنما بعصفور واحد فى اليد

لا يفكرون فى الحمام الراقد فى الخنان

وأن من الجنان

النظر إلى ما لا ليد لمسه

وما لآذان سماع همسه

ولا يعلو صوت فى حضرته

إلا العدد

مدد

يا سيدى الغريب

مدد

والغريب نديمنا

ومدده ذكريات

وإحياؤه من الممات

سيرة لا تضيع

الغريب أنت يا نديم

فى بلاد نست رسالتك

ولا تراك الزعيم

القدر المقيم

فى أجيال لا تعرف لغتك

لا تسمع هتافك

وأنينك

الذى يأكله البحر

فلا يصل إلى بلاد النيل

ولا يحط فوق يابسة

تبلعه صحراء بين الأستانة والقاهرة

والظاهرة

التى يدونها مؤرخون متعبون

وهم يتثاءبون على أفاريز الأيام

أن من سمع نداءك الأخير

قال عنه بملء فيه

إنه لم يكن صراخًا

إنما تأوهات خافتة

واللافتة

كان تكفيه

فهى الوطن القائم خلف البحر والمفازات

وكل المجازات

لا تقدر على صنع شبيه له

فلا غربة تغنى عن وطن

ولا حضن يزيح الاغتراب

والاحتراب

تاريخ من ألم

قام يا نديم هنا بعد الهزيمة

قام فى نفوس سقيمة

أعياها انتظار النصر الأخير

وفى أيام يسكنها الخوف والملل

لم تستطع إلا صب اللعنة على المساومة

العتب على قادة المقاومة

وربما الهجاء

هكذا يكون ما بعد الانكسار

وقبل الرجاء

فليس كل من يهنفون أولياء للكفاح

والجراح

دم يهرب كثيرون منه

إلا من أدركوا أن الدم

لا لون له

لا طعم له

إن أريق فى سبيل الحرية

لكن له رائحة زكية

لا يبددها الزمن

أيها الهارب فى دروب المحن

اترك القرى خلف ظهرك

حاملًا إياها فى عينيك

حتى تفتح شوارعها المنسية

حاراتها الخلفية

على أوردة المدن

والميادين السخية

المروية

بعرق الثائرين

والكادحين

الذين حملت رايتهم وحيدًا

تغالب العسس

والهوس

بحب البلاد

والعباد

وأنت تروض الشجاعة

حتى لا توردك المهالك

والممالك

تنتظر خبر سكونك

وجنونك

الذى هيأ لك أن هاربًا يعيد الكرَّة

والمرَّة

القادمة ستكون القاصمة

والعاصمة

من الوقوع فى فك الهزائم

ومن تحت ركام

زمن بليد

ومن بين حطام

عظام

أوجعتها الكروب

ضيعتها الدروب

أهلكتها الحروب

يولد فجر جديد

ليبقى قبرك هنا بين الشواهد

سواعد

تصد عنك ريح الفناء

أيد تحفر بين المقابر

نهرًا من حنين

يفيض من عين المهاجر

والمسافر

ليرسم خطًا فى المدى

يصل الأرض بالسماء

ويغلب الردى

ويرفع لك فى بلاد بعيدة

راية البقاء.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

منسى فى إسطنبول مهداة إلى«عبدالله النديم» خطيب الثورة العرابية منسى فى إسطنبول مهداة إلى«عبدالله النديم» خطيب الثورة العرابية



GMT 06:25 2026 الجمعة ,07 آب / أغسطس

حادث دمياط.. رسائله وما حوله!

GMT 06:22 2026 الجمعة ,07 آب / أغسطس

عن الفساد والمفسدين.. وأسعار الكهرباء

GMT 06:20 2026 الجمعة ,07 آب / أغسطس

عن الفلسفة والتدين والمرض النفسى

GMT 06:19 2026 الجمعة ,07 آب / أغسطس

التماسيح ليست قوة بل إفلاس

GMT 06:17 2026 الجمعة ,07 آب / أغسطس

صورة الرجل الكبير

GMT 06:13 2026 الجمعة ,07 آب / أغسطس

أسطورة تشرح القصة

GMT 19:11 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

3 وزراء فقط خارج حسابات التعديل

أحدث إطلالات كارمن بصيبص شعر قصير واختيارات مبتكرة للأزياء

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 23:53 2013 الخميس ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

إكسسوارات تضفي أناقة وتميُّزًا على مظهرك

GMT 05:18 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الحوت الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:16 2025 الأربعاء ,14 أيار / مايو

"أرامكو" تعتزم استثمار 3.4 مليار دولار في أمريكا

GMT 14:15 2023 الخميس ,07 أيلول / سبتمبر

فيلم "ساير الجنة" في نادي العويس السينمائي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt