توقيت القاهرة المحلي 20:20:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

فكر ثقيل وعلم خفيف (1-2)

  مصر اليوم -

فكر ثقيل وعلم خفيف 12

عمار علي حسن

يبدأ العلم بالتفكير، لكنه قد يفارقه إلى ما هو أبعد، محاولاً أن يضبط الفكر، وينقله من حالات التخيل والتمثل والانطباع والتصور والافتراض إلى حالة البرهان والتثبت أو ما هو أقرب إليهما فى العلوم الإنسانية على وجه التحديد، عبر استخدام العديد من الأدوات والاقترابات والمناهج العلمية، سواء ما تعتمد على التحليل الكيفى أم الكمى، أو تزاوج بينهما، لتحقيق الوظائف الرئيسية للبحث العلمى وهى جمع المتفرق، وتجلية الغامض، وتفسير المختصر، واختصار المسهب، ونقد السائد، وإبداع الجديد.

وكثير مما تطرحه الجماعة البحثية العربية فى مختلف العلوم الإنسانية هو أقرب إلى الفكر منه إلى العلم. وهذه مسألة مألوفة فى أغلب الندوات والمؤتمرات وورش العمل وحلقات النقاش وظاهرة عياناً بياناً على صفحات الدوريات المتخصصة فى الإنسانيات. فالباحثون العرب يتنادون إلى حضور ملتقيات ومنتديات علمية يقضونها فى إنتاج خطابات لغوية متنوعة، وطرح أفكار مختلفة المشارب والاتجاهات، ويدعون إلى الكتابة فى الدوريات والصحف فلا يفارقون هذه الطريقة كثيراً، متخففين من أعباء وشروط يفرضها العلم على أصحابه، ولا يستقيم بدونها.

ومثل هذا الوضع يؤدى إلى عدة نتائج سلبية تلقى بظلال كثيفة على مسيرة العلم والفكر معاً فى بلادنا، لأنها تجعلنا نسير فى المحل أو نتقدم ببطء على الأكثر فى مسيرتنا العلمية والفكرية، الأمر الذى يقلل من قيمة وقامة إنتاجنا المعرفى، كما أن هذه الآفة تضيع علينا فرصة اختبار المقولات التى نتداولها بعد التحقق من معلوماتنا ومن ثم استبعاد ما يثبت خطؤه، وتثبيت ما ينجلى برهان على صوابه، بما يدفع المعرفة بمناهجها ونظرياتها إلى الأمام. بل إن هذا العيب يتسبب فى إبعاد العلم والفكر عن خدمة الواقع المعيش، لأنها تقتصر فى الغالب الأعم على المسائل النظرية، ولا تنتقل منها إلى الإجرائى والتطبيقى، الذى يشتبك مع المشكلات الحياتية ويسعى إلى إيجاد حلول لها.

وعلينا أن نعى فى هذا المقام أن المنتج أو الكتابة العلمية ليست بالضرورة هى تلك التى يشبعها صاحبها ببعض أمور شكلية توهم من يطلع عليها أنها محكمة ودقيقة من الناحية العلمية، فكثير من الأبحاث تستعين ببيانات وأشكال توضيحية من رسوم بيانية وجداول وخرائط وصور ومعادلات رياضية لكنها تفتقد إلى العلمية، لأنها تنطلق من انحيازات مسبقة وتقع فى فخ الأيديولوجيات السائدة، وأحياناً تنطوى على نوع من التلفيق والكذب.

وهناك كتابات تخلو من هذه الأشكال والأرقام التى تنصرف إلى العلم فور رؤيتها، ومع هذا فإنها تسلك طريقاً علمياً لا تحيد عنها، عبر استعمال منهج دقيق فى إثبات الافتراضات، والإجابة عن التساؤلات، وتقليص مساحة الشك إلى أدنى قدر ممكن، وتعزيز الحجة إلى أقصى درجة ممكنة، والانتصار للحقيقة والحق ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.

من هنا، فإن العبرة تكون بالمخبر وليس بالمنظر، وبالتدقيق وليس بالتلفيق، وبتوفيقنا فى أن نعثر على الأداة البحثية الناجعة، أو الأكثر كفاءة، فى دراسة الظواهر التى نتصدى لها، ثم نحسن استعمالها فى جمع المعلومات والبيانات، وتبويبها وتصنيفها، ثم استدعائها تباعاً لخدمة مسار البرهنة، وبعدها عرض النتائج التى انتهينا إليها، كما هى، ومن دون افتئات أو تدخل بالتأويل أو الوصف والتحليل.

(ونكمل غداً إن شاء الله تعالى)

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فكر ثقيل وعلم خفيف 12 فكر ثقيل وعلم خفيف 12



GMT 06:23 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

شرقٌ لا شرقَ بعده

GMT 06:21 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

عون في البيت الأبيض: زيارة الطلاق مع إيران

GMT 06:18 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

عندما لا يكون لديك غير سلاحٍ واحد!

GMT 06:15 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

هل باحَ عراقجي بالأسرار؟!

GMT 06:10 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

إيران... مشكلة معيشية على آخر نَفَس!

GMT 06:07 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

انحسار مياه النيل يعيد جدل سد النهضة

GMT 06:03 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

«اعترافات جنبلاط» ودروسٌ من التاريخ

GMT 06:00 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

مسلة فرعونية في باريس!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 02:05 2025 الإثنين ,18 آب / أغسطس

الجينز دليل لإطلالة كاملة تناسب كل المواسم

GMT 02:47 2024 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سامسونغ تكشف عن حاسوبها الجديد Galaxy Chromebook Plus

GMT 06:13 2025 الجمعة ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

شيفروليه سبارك الجديدة بتصميم رياضي وقدرات كهربائية

GMT 08:09 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجوزاء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 05:08 2024 الأربعاء ,21 آب / أغسطس

مرشح رئاسي معتدل ينتقد سياسة الحجاب في إيران

GMT 20:04 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

تعرف على عاصمة الشوكولاتة في العالم

GMT 21:50 2021 السبت ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

الفيديو كليب صورة افتراضية

GMT 05:23 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

«أبل» تستعد لإطلاق أرخص «ماك بوك» في تاريخها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt