توقيت القاهرة المحلي 16:24:25 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هل تستطيع المعارضة السورية تغيير منهجها؟

  مصر اليوم -

هل تستطيع المعارضة السورية تغيير منهجها

بقلم : د. وحيد عبدالمجيد

 أضاعت المعارضة السياسية السورية وقتاً طويلاً في البحث عن نقطة توازن بين التمسك بمرجعيات دولية يعود أساسها إلى بيان جنيف الأول في 2012، ومحاولة بلورة مواقف تتماشى جزئياً مع تغير حدث في ميزان القوى على الأرض في السنوات التالية.

أخذت المسافة بين ثوابت المرجعيات ومتغيرات الواقع تزداد، من دون أن تتمكن من العثور على نقطة التوازن الصعبة التي ظلت تبحث عنها. توسعت الفجوة بين ما تسعى إلى الحفاظ عليه، وما باتت مضطرة للتخلي عنه، وبلغت اليوم مستوى ينذر بإخراجها من المشهد في حال تمكنت روسيا من وضع الأساس لإطلاق عملية سوتشي، بعد أن نجحت قبل عام في فتح مسار آستانة.

جديد روسيا، الذي تسعى إلى وضع أساسه في اليومين المقبلين، أن تصبح سوتشي بديلاً من جنيف التي أدى مسار آستانة وظيفته في إظهار عدم جدواها. وبغض النظر عن قيمة مخرجات مؤتمرات آستانة، فقد تميزت بحركية دينامية افتقرت إليها مؤتمرات جنيف الأخيرة التي باتت تبعث على السأم، فضلاً عن الإحباط.

وهكذا باتت المعارضة السورية في وضع يتطلب منهجاً جديداً في إدارة الصراع، أي نمطاً مختلفاً للتفكير في مكوناته، وفي التعاطي مع أطرافه، وإبداء مرونة تكتيكية قد تفيد في إنجاز شيء من أهداف الثورة في النهاية.

لم يعد مجدياً الرهان على قوى دولية وإقليمية تُغير مواقفها أحياناً بأسرع مما يُبدّل قادتها ملابسهم. وما الأهداف الخمسة التي أعلنها وزير الخارجية الأميركي تيلرسون في 17 الجاري، ومن بينها حل سياسي من دون بشار الأسد، إلا حلقة في سلسلة مواقف تتبخر بعد إعلانها. وليس متصوراً أن المعارضة السورية لا تعرف أن من يراهن على الولايات المتحدة وتركيا يشبه من يلتحف السماء. لكنها لا تجد خياراً آخر، لأن البحث عنه لا بد أن يبدأ بتغيير منهجها عبر إجراء ثلاث مراجعات مترابطة.

الأولى، مراجعة موقفها المعادي لحزب الاتحاد الديموقراطي الكردي، ومسألة فيديرالية الشمال التي تقوم على إدارات ذاتية، وكذا إزاء القضية الكردية بوجه عام. هذا الموقف هو الوحيد، بين مواقف المعارضة، الذي يقترب من موقف نظام الأسد.

لكن هذا التقارب ليس إلا مؤشراً واحداً إلى خطأ كبير أضاف معركة لا لزوم لها إلى معارك ضرورية عدة خاضتها المعارضة، وحرمها فرصة لتدعيم موقفها عبر تفاهم مع حزب أثبت أنه لا يحمل مشروعاً تقسيمياً، بل يهدف إلى تأسيس نظام اتحادي (فيديرالي) يُفترض أن يسعى إليه كل من يتطلع إلى الديموقراطية ومشاركة السوريين في إدارة شؤونهم فعلياً. كما أن موقف المعارضة هذا قد يُشكّك في مدى إيمانها بديموقراطية باتت مستحيلة في ظل أي حكم مركزي يستطيع إعادة بناء ركائز الاستبداد التي أُقيمت على مدى عقود.

معلوم أن اعتماد بعض أطراف المعارضة وقادتها على تركيا يُمثّل قيداً عليها، ويُوظّفها في معارك الرئيس أردوغان وصفقاته المكشوفة والمستورة في آن، ويُشرك بعض فصائلها في غزوات تُراق فيها دماء أهلهم كما يحدث في عفرين الآن. غير أن القيد الأشد هو الموقف العدائي الموروث ضد حقوق الأكراد، والمنهج أو نمط التفكير المرتبط به. وفي حال تغيير هذا المنهج، يمكن أن تجد المعارضة سبلاً لتجاوز القيد التركي، مثل تولّي أطرافاً لا تعتمد على أنقرة مهمة التواصل وبناء تفاهمات مع حزب العمال الديموقراطي، في إطار نوع من تقسيم العمل الخلاَّق، تمهيداً لتبني موقف جديد معلن تجاهه في الوقت المناسب.

ويُفترض أن تقترن هذه المراجعة بثانية تهيئ للانتقال من الخطاب العام الذي يطالب بالالتزام بالمرجعيات الدولية، ويُعاد إنتاجه منذ سنوات من دون تجديد يُعتد به، إلى برنامج تفصيلي يتضمن الأسس التي يقوم عليها نظام سياسي جديد. والعلاقة وثيقة بين المراجعتين لأن تغيير نمط التفكير الموروث في القضية الكردية يقترن بالضرورة بتبنّي صيغة فيديرالية.

غير أن المعارضة لا تزال معنية بآليات الانتقال السياسي أكثر من طابع النظام الذي ينتج من هذا الانتقال، ومقوماته، وبتأكيد ضرورة استبدال نظام الأسد أكثر من بلورة الأسس التي يقوم عليها نظام جديد.

وفي حال إقدام المعارضة على التفكير جدياً في مقومات نظام ديموقراطي فيديرالي قد تخلص إلى أن ميزان القوى، الذي لا يسمح بتغيير النظام الحالي الآن، لا يحول دون الشروع في هذا التغيير تدريجياً عبر منهج جديد أكثر واقعية، وبرنامج محدد يمكن التفاوض عليه مع روسيا مهما كانت المرارات تجاه سياستها. وفي موسكو من يعرفون أن أي حل سياسي لن يصمد، وأن مصالحها في سورية ستكون مُهدَّدة، إذا لم تتحقق مشاركة واسعة في التوصل إلى هذا الحل. كما يعلم من يدرسون سياستها أن خطواتها في سورية كلها تكتيكية وقابلة للتغيير. وتستطيع المعارضة في حال تبنيها برنامجاً واقعياً أن تختبر موقف موسكو التي تبرر سياستها في سورية بعدم واقعية المعارضة.

وفي حال تأسيس هذا البرنامج على خطة لإقامة نظام ديموقراطي فيديرالي، تستطيع المعارضة التفاوض مع موسكو - التي كانت أول من طرح مسألة الفيديرالية – سعياً إلى تفاهم على أن تكون الأولوية مطلقة لإجراء انتخابات محلية أو بلدية في المناطق التي تتوافر فيها إمكانات هذه الانتخابات، تحت إشراف دولي، على أن يقترع النازحون في أماكن وجودهم الراهنة، لانتخاب إدارات ذاتية موقتة.

وسيكون موقف المعارضة في هذه الحال أقوى، ليس لواقعيته فقط، ولكن لمنطقيته أيضاً. فأياً تكن الصعوبات أمام انتخاب إدارات ذاتية، فهي لا تُقاس بمستحيلات تواجه إجراء انتخابات رئاسية أو برلمانية في الوضع الراهن. كما أن أي خسارة تترتب على خيار الانتخابات المحلية لا تُقاس بمصائب إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية بموجب تعديلات دستورية شكلية تضفي شرعية زائفة على النظام. كما أن انتخاب إدارات ذاتية محلية موقتة يمكن أن يُحقّق هدفين لا بأس بهما. الأول، تواصل المعارضة السياسية مع بعض هذه الإدارات، لتدعيم حضورها في الداخل. والثاني، وضع البنية الأساسية لحل سياسي يرتكز على حوامل فعلية ترفعه، وليس على أوهام انتصار يخدع نفسه قبل غيره من يزعم أن نظام الأسد وحلفاءه حققوه.

فهل تستطيع المعارضة تغيير منهجها، وإجراء مفاوضات في العمق مع موسكو التي تبحث عن مخرج، لكنها تسلك حتى اليوم طرقاً ملتوية لا تقود إلى حل صراع يمكن أن تبقى، مثل غيرها، أسيرة تداعياته لفترة طويلة؟

نقلا عن موقع الحياه اللندنيه

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل تستطيع المعارضة السورية تغيير منهجها هل تستطيع المعارضة السورية تغيير منهجها



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:37 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:30 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الأسد الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:31 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العذراء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:27 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجوزاء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 03:52 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

هل تدريس الرياضيات يحسّن من مستوى الطلبة؟

GMT 07:40 2025 الإثنين ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

موعد مباراة بلغاريا وجورجيا في تصفيات كأس العالم 2026

GMT 21:38 2021 الأربعاء ,13 كانون الثاني / يناير

تقدم منتخب مصر لليد على تشيلي بنتيجة 28 / 23 بعد 50 دقيقة

GMT 13:27 2019 الإثنين ,24 حزيران / يونيو

تسريب بعض مواصفات هاتف "Xiaomi" الأكثر تطورًا

GMT 19:26 2017 الثلاثاء ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

ليلى علوى تبدأ تصوير دورها في فيلم "التاريخ السري لكوثر"

GMT 08:47 2023 الأحد ,01 تشرين الأول / أكتوبر

لماذا أكتب لك؟؟ وأنت بعيد!!
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt