توقيت القاهرة المحلي 21:42:45 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«الوطنية» و «انعدام الوطنية»

  مصر اليوم -

«الوطنية» و «انعدام الوطنية»

بقلم - حسام عيتاني

 منذ بدء الحديث عن توجيه ضربة أميركية إلى نظام بشار الأسد بعد قصفه الغوطة بالغازات الكيماوية في 2013، ارتفعت صيحات المنددين بـ «انعدام وطنية» كل من يرحب بأي عقاب يُنزل بمرتكبي الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. يستدعي هذا رسم خطٍ واضحٍ بين الوطنية وبين انعدامها.

ماذا يعني الوطن في سياق حرب إبادة وتهجير واقتلاع وتدمير منهجي للمجتمع؟ لا يجب البحث عن الجواب لدى الضحايا. غنيّ عن البيان أن مفهوم الوطن الذي استُنسخ من أدبيات الرومنطقية القومية الأوروبية لا يفيد شيئاً بعد سبع سنوات من حرب بشار الأسد وحلفائه على السوريين. يصعب على من فقد أهله وأولاده في قصف طائرات ومدفعية التحالف المساند للأسد أن يظل وفياً لمفهوم وطن تحكمه سلطة غاشمة. فالوطن، حتى في معناه الرومنطيقي، ليس مجرد أرض يجتمع عليها ويعيش من خيرها بعض البشر، بل هي قبل ذلك مجموعة القيم والعلاقات التي تسود هذه الجماعة وتحكمها. وفي أيام المحن، ترتفع الدعاوى الوطنية للعودة إلى التقاليد المتفق عليها بين أفراد الجماعة والتي تشكل بنيتها الفوقية. الولاء لا يكون هنا للنظام ولا للحزب الحاكم ولا لمؤسسات الدولة التنفيذية.

أواخر الحرب العالمية الثانية، عندما بدأت قوات الحلفاء تتقدم داخل الأراضي الألمانية، تخلت الدعاية النازية عن أساليبها التقليدية التي استخدمتها أثناء التوسع الألماني في أوروبا ونبشت خطاب الأرض الأم والوطن المقدس والترهيب من دخول الأعداء الهمج (خصوصاً أولئك الآتين من الشرق). عاد الوطن، في تلك الأيام إلى معناه القديم المحمّل بإيديولوجيا قومية بسيطة توهم من يستمع إليها أن المصائب التي تنزل بألمانيا لا علاقة لها بما ارتكبه النازيون، بل إن هؤلاء يدافعون عن وطن يتعرض للعدوان الأجنبي السافر وأنهم جنود الحضارة بأرقى أشكالها في وجه أحفاد المغول.

دعاة الوطنية السورية في ظل نظام الأسد، يحاولون قول الشيء ذاته: الوطن، ومنذ التهديدات التي أطلقت في آب (أغسطس) 2013، في خطر. لا يهمهم من جلب هذا الخطر ولا يعنيهم كيف تسبب بشار الأسد في إشعال حرب على شعبه. لا عجب. ذلك أن واحداً من الألقاب المفضلة لوصف الأسد في قاموس آلته الدعائية هي «سيد الوطن» بما يقيم تناقضاً صريحاً بين شراكة الشعب في السيادة على وطنه وعلى نفسه وبين حصر هذه الأخيرة في «سيد» لا يتردد في التعامل مع مواطنيه كعبيد.

تزداد المسألة تعقيداً مع دخول العدو الذي يحتل جزءاً من أرض الوطن، الجولان، على خط الصراع بضربه مواقع النظام وحلفائه. الموقف الأخلاقي هو التنديد بأي عدوان خصوصاً من المحتل الإسرائيلي على الوطن. بيد أن هذا الوطن قد خسر معناه ودلالاته في خضم مسعى النظام وأنصاره إلى القضاء على المجتمع والشعب. دعاة «الوطنية» قدموا مخرجاً تلفيقياً: النظام ليس هو الوطن الذي ينبغي الدفاع عنه وعن مؤسساته بما فيها الجيش والمخابرات مهما كان الأمر، في وجه العدو الصهيوني الغاشم الخ... أقل ما يقال في تبرير كهذا إنه يصدر عن عقلية ترغب في تخبئة تواطئها مع النظام القاتل. ذلك أن الوطن ليس النظام الذي يحكمه ولا هو مؤسسات الدولة. وهذه ليست سوى إفراز للمسار الاجتماعي السياسي الذي تقدم فيه المجتمع على مدى مئات الأعوام.

فوق ذلك كله، لا بد من التساؤل عن أثر المواجهة بين مشروعين توسّعيين، إيراني وإسرائيلي، على الوطنية السورية، قبل الجزم أن الوطنية هذه هي المهدّدة من واحد، إسرائيلي، من هذين المشروعين فيما يدفعها ذلك الإيراني إلى الارتقاء في معارج التكامل والتقدم.

نقلا عن الحياة اللندنية

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«الوطنية» و «انعدام الوطنية» «الوطنية» و «انعدام الوطنية»



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل الملابس الرجالية التي يمكن أن يختارها لترافقه

GMT 21:32 2022 السبت ,22 تشرين الأول / أكتوبر

التحقيق في سرقة قطع أثرية من متحف كلية آثار جامعة سوهاج

GMT 07:54 2020 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أسعار الدواجن في مصر اليوم الخميس 05 تشرين الثاني /أكتوبر 2020

GMT 06:16 2025 الثلاثاء ,15 تموز / يوليو

ديكورات "مودرن" وعمليّة في غرف الجلوس

GMT 02:33 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

عائشة بن أحمد تكشّف عن اشتراكها مع تامر حسني في فيلمه

GMT 00:28 2017 الإثنين ,16 تشرين الأول / أكتوبر

الملك سلمان يؤكد دعمه لاستراتيجية أميركا الحازمة ضد إيران

GMT 18:29 2017 الأربعاء ,11 كانون الثاني / يناير

الفنانة أحلام تشيد بمصممة الأزياء فرح البابطين
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt