توقيت القاهرة المحلي 21:42:45 آخر تحديث
  مصر اليوم -

غزة: القتل المنضبط

  مصر اليوم -

غزة القتل المنضبط

بقلم : حسام عيتاني

 ربما تكون المندوبة الأميركية إلى الأمم المتحدة نيكي هايلي محقة في قولها إن إسرائيل مارست ضبط النفس أثناء المجزرة التي ارتكبتها قوات الاحتلال بحق الفلسطينيين أول من أمس. فعندما يتمدد جنود مدججون بالسلاح على تلال ترابية ويطلقون النار من دون وازع على مدنيين عزلٍ مكشوفين، يكون من «ضبط النفس» فعلاً ألا يسقط أكثر من ستين ضحية.

تحاول هايلي أن تقنعنا أن الجنود الإسرائيليين اكتفوا بهذا القدر من القتل في حين أنهم كانوا قادرين على ارتكاب مذبحة أغزر سفكاً لدم الفلسطينيين. هذا نوع من «ضبط النفس» يتفق تماماً مع تصور المندوبة لعملية السلام التي «لم يعرقلها نقل السفارة الأميركية إلى القدس بأي شكل»، على ما استطردت.

ينبغي القول إن الفكرتين تنسجمان في ما بينهما: قدر «مضبوط» من القتل يسير يداً بيد مع تحطيم واحد من أسس التسوية المفترضة بين الإسرائيليين والفلسطينيين والمتمثلة في الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها. امتناع الجنود الإسرائيليين عن إطلاق النار على المزيد من الأجساد والرؤوس الفلسطينية هو المكافئ الموضوعي لتصور حكومة بنيامين نتانياهو وإدارة دونالد ترامب لعملية السلام. ذلك أن ليس لدى أي من هذين الطرفين أدنى نية (من جهة نتانياهو) ولا أي تصور (من جانب ترامب) لما يجب أن يكون عليه السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. الوسيط الأميركي المكلف متابعة المفاوضات وسفير واشنطن لدى إسرائيل، يجعلان نتانياهو يبدو كنعجة مسالمة أمامهما، لإفراطهما في الترويج لمقولات لم يطمح الإسرائيليون إلى بعضها عند بداية التسوية قبل ربع قرن.

ليس سراً أن المطالب التي تقدم أثناء التفاوض هي الانعكاس المكتوب على الورق لموازين القوى المرسوم على الأرض. والتجاهل المتصاعد للحقوق الفلسطينية في الحكومة وفي الشارع الإسرائيليين، يقومان على حقائق صلبة تشير إليها الحالة المزرية التي وصلت إليها الحركة الوطنية الفلسطينية أولاً، وانفكاك الحاضنة السياسية والمالية العربية عنها، ما وجه رسالة صريحة إلى الإسرائيليين بإهمال كل المطالب الفلسطينية واعتماد التعامل مع الفلسطينيين على الوسائل الأمنية حصراً.

لم يكن ينقص هذا البؤس إلا مجيء رئيس مشغول بمشكلاته الشخصية وبالحفاظ على موقعه في البيت الأبيض ولا يملك أبسط فكرة، خارج إطار الدعاية المؤيدة لإسرائيل، عن قضايا المنطقة وتاريخها وصراعاتها. وبغياب الاستراتيجية، ولو المنحازة إلى جانب إسرائيل والتي سعت الإدارات السابقة إلى تنفيذها من خلال التمسك بحل الدولتين، حلّت مع ترامب المياومة السياسية التي تنظر إلى المكاسب والخسائر بعين رجل الأعمال المستعجل لتحقيق الأرباح وليس بعين قائد الدولة الأقوى في العالم. الانزلاق إلى خطاب شعبوي يستحوذ به ترامب على رضا جمهور المؤيدين لإسرائيل، هو الوصفة الجاهزة لاندلاع موجة جديدة من الاحتجاجات على الظلم التاريخي للفلسطينيين. في المقابل، تبدو حكومة نتانياهو في شوق إلى هذه الاحتجاجات باعتبارها الوسيلة الأسهل والأقل كلفة لتوجيه الرسائل إلى الفلسطينيين عن عبث مقارعة الاحتلال بهذه القيادة وهذه الفصائل وهذا العالم العربي.

العنف هو الوسيلة الوحيدة الباقية في جعبة اليمين الإسرائيلي الحاكم. التضحية والاحتجاج هما الأداتان اللتان لم يعد الفلسطينيون يملكون غيرهما. وهكذا انقضت الأعوام السبعون الأولى على النكبة.

 نقلا عن الحياة اللندنية
المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

غزة القتل المنضبط غزة القتل المنضبط



GMT 10:04 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل الملابس الرجالية التي يمكن أن يختارها لترافقه

GMT 21:32 2022 السبت ,22 تشرين الأول / أكتوبر

التحقيق في سرقة قطع أثرية من متحف كلية آثار جامعة سوهاج

GMT 07:54 2020 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أسعار الدواجن في مصر اليوم الخميس 05 تشرين الثاني /أكتوبر 2020

GMT 06:16 2025 الثلاثاء ,15 تموز / يوليو

ديكورات "مودرن" وعمليّة في غرف الجلوس

GMT 02:33 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

عائشة بن أحمد تكشّف عن اشتراكها مع تامر حسني في فيلمه

GMT 00:28 2017 الإثنين ,16 تشرين الأول / أكتوبر

الملك سلمان يؤكد دعمه لاستراتيجية أميركا الحازمة ضد إيران

GMT 18:29 2017 الأربعاء ,11 كانون الثاني / يناير

الفنانة أحلام تشيد بمصممة الأزياء فرح البابطين
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt