توقيت القاهرة المحلي 12:41:49 آخر تحديث
  مصر اليوم -

دليل آخر يُضاف إلى كتاب الحروب

  مصر اليوم -

دليل آخر يُضاف إلى كتاب الحروب

بقلم: سليمان جودة

اليوم تكون الحرب الروسية - الأوكرانية قد أتمت سنتها الرابعة، وتكون أيضاً قد قطعت يومين في طريق السنة الخامسة!

ولا بد أن الذين عاشوا بدايتها لم يكونوا يتخيلون أن يمتد أمدها إلى هذا المدى البعيد، وكان تقدير الروس الذين بدأوها أنهم قادرون على حسمها في أيام، فإذا الأيام أسابيع، والأسابيع شهور، والشهور سنوات!

ورغم امتداد نارها إلى هذا المدى الذي لا يكاد المتابع يذكر بدايته، فإنها لا تزال تجد وقودها على الجانبين، ولا يزال كل طرف من طرفيها يقدم ما يمدها بما تحتاج إليه من وقود اشتعال، بينما كل طرف يتمنى بينه وبين نفسه لو تتوقف الآن، ولكن المشكلة أن كلاً منهما تأخذه العزة بالإثم، ويخشى أن يصرح بما تحدثه به نفسه بأكثر من اللازم، فيظهر أمام شعبه في صورة المتخاذل الجبان.

وإذا كان هناك شيء برهنت عليه الحرب وهي تتمدد لأربع سنوات، فهذا الشيء الذي برهنت عليه بالتجربة العملية أمامنا، هو أن الحرب العالمية ليس من الضروري أن تكون متعددة الجبهات. ففي الحرب العالمية الأولى كانت هناك أكثر من جبهة بين أطرافها، وكذلك كانت الحال في الحرب العالمية الثانية، ولكن هذه الحرب تدور منذ اشتعلت على جبهة واحدة بين الطرفين الروسي والأوكراني، أو على جبهتين اثنتين، ومع ذلك فهي حرب عالمية بامتياز.

هي كذلك لأن أوكرانيا لا تحارب وحدها في الحقيقة، وإنما هي رأس حربة لأوروبا كلها، ولو حارب الأوكرانيون وحدهم لكانت الحرب قد انتهت من زمان، وليست أوروبا وحدها التي تحارب من وراء أوكرانيا، وإنما الولايات المتحدة الأميركية أيضاً عاشت تحارب مع أوكرانيا إلى سنة انقضت أو أكثر قليلاً، وبالتحديد إلى أن جاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب فكان له رأي آخر نعرفه ونتابع تجلياته منذ جاء.

وفي دورة مؤتمر ميونيخ هذه السنة، رأينا كيف أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، قد غادر المؤتمر متوجهاً إلى المجر، ومن هناك أعلن أن بلاده تساند رئيس الحكومة في بودابست فيكتور أوربان، الذي سيخوض الانتخابات خلال أيام!

وقد كانت الزيارة مما يدل على مدى التحول الذي أصاب السياسة الأميركية تجاه الحليف الأوروبي القديم. فلا يوجد مَنْ هو أقرب إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوروبا كلها من رئيس الوزراء أوربان، ولم تنعقد قمة للاتحاد الأوروبي في أي وقت منذ بدء الحرب، إلا وكان أوربان يحضرها بمنطق الشريك المخالف، الذي إذا أشارت عواصم الاتحاد إلى اليمين مضى هو باتجاه الشمال، والعكس صحيح على طول القمم التي كان يحضرها في كل مرة!

وإذا كانت بروكسل باعتبارها عاصمة الاتحاد قد تلقت خبراً ساءها، فليس الخبر إلا تلك الزيارة التي بادر بها روبيو إلى بودابست معلناً ما أعلنه على الملأ من الناس!

الغريب أن روبيو لما وقف خطيباً في ميونيخ راح يتبنى لهجة تصالحية مع الأوروبيين، وراح يتحدث عن أن بلاده ابنة أوروبا في واقع الحال. ولكنه ما كاد يصل بودابست حتى كان قد بدا كمن يقود سيارة معطياً إشارة إلى اليمين، ثم منحرفاً فجأة في ناحية اليسار!

وعندما وقف زميله وزير التجارة في الحكومة هوارد لوتنيك، يتكلم في حفل عشاء دعا إليه المؤتمر، لم يشأ أن يخفي مشاعره السلبية تجاه الأوروبيين، وقد بلغت مشاعره في هذا الاتجاه حداً جعل رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، تنصرف في غضب وهي غير قادرة على أن تتحمل ما كان الوزير الأميركي يقوله على أرض أوروبية وعلى مسمع من الأوروبيين!

قديماً كان فقهاؤنا يقولون: «رُب همة أحيت أمة» وهي عبارة تعني أن الأمة بين الأمم قد تنام طويلاً إلى حد الموات، حتى إذا جاءتتا أزمة أحيت فيها الهمة، فكانت الهمة التي تُحيي الأمة.

وقد راحت السيدة لاغارد تهمهم بشيء شبيه بذلك وهي تنصرف ساخطة، ثم وهي تقول إن أوروبا قادرة على أن تمضي قُدماً وبمن حضر. ولا معنى لعبارة «بمَنْ حضر» إلا أن المُضي قدماً بالنسبة للقارة لم يعد أمراً فيه اختيار.

ورغم مُضي السنوات الأربع من عُمر الحرب، فإن المراقب لها منذ بدايتها لا يستطيع أن يقول إن روسيا انتصرت ولا إن أوكرانيا انهزمت، فكلتاهما انتصرت مرة وانهزمت مرة، وفي الحساب الختامي هناك حرب لا عنوان لها، ولا مضمون، إلا الاستنزاف للاثنتين. وربما تمدد الاستنزاف فبلغ هذا الطرف أو ذاك مما يمدهما بالسلاح والمال، وإذا ظهر ذلك على أجلى ما يكون فسوف يظهر في خزائن الأوروبيين التي كلما أمدت الأوكرانيين طلبوا المزيد!

كان ويل ديورانت قد جلس يكتب «قصة الحضارة» في كتابه الشهير، وكان إلى جانب الحضارة قد جلس يكتب قصة الحرب في تاريخ الإنسان، وكان قد اكتشف أن ما قضاه الإنسان من أعوام ينعم فيها بالسلام على الأرض، أقل في حقيقة الأمر من السنين التي بقي فيها يشقى بالحروب، وليست حرب السنوات الأربع واليومين إلا دليلاً آخر على ذلك يضاف إلى أكثر من دليل.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

دليل آخر يُضاف إلى كتاب الحروب دليل آخر يُضاف إلى كتاب الحروب



GMT 12:14 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

كي لا يندم شّيعة لبنان..

GMT 12:12 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مرثيّة أخيرة لجبل عامل

GMT 09:28 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

بائع الشاي

GMT 09:20 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

حجارة «الشقيف»... لو تكلمت

GMT 09:19 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

نسائم التبصر لتفادي أهوال الأعظم

GMT 09:17 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

«السردية» والعلاقات الدولية

GMT 09:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مونيكا بين عمر الشريف وأحمد عز

GMT 07:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الذين سحبوا.. وأنفقوا

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

القاهرة - مصر اليوم

GMT 23:47 2026 الأحد ,24 أيار / مايو

أحمد العوضي يحسم جدل ارتباطه عاطفياً

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 02:17 2020 الإثنين ,27 تموز / يوليو

عرض مُسلسل "الحساب يجمع" الاثنين على MBC مصر2

GMT 18:09 2019 السبت ,14 كانون الأول / ديسمبر

نفاد تذاكر حفل مدحت صالح بأوبرا جامعة مصر

GMT 02:44 2019 الأحد ,13 كانون الثاني / يناير

أحمد صالح ينفي تعاقده على"فكرة بمليون جنيه"

GMT 20:09 2015 الأحد ,13 كانون الأول / ديسمبر

زيدان يحتفل بعيد ميلاده مع فريق الإنتاج الحربي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt