توقيت القاهرة المحلي 20:08:35 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الجمل بما حَمَل في ليبيا

  مصر اليوم -

الجمل بما حَمَل في ليبيا

بقلم: سليمان جودة

تمنيت لو أني أعرف محمد الشكري، محافظ البنك المركزي الليبي المكلف، لأصافحه لا أكثر، وأشدّ على يديه لا أقل.

لقد أعاد الرجل تذكيري بالأمير كمال الدين حسين، ابن السلطان حسين كامل، الذي كان سلطاناً على مصر بدءاً من 1914 إلى أن غادر دنيانا في 1917. كان من الطبيعي بعدها أن يخلفه ابنه الأمير كمال الدين الذي رفض الكرسي السلطاني وأعلن زهده فيه، فجاء السلطان فؤاد الذي صار الملك فؤاد في مرحلة تالية.

هذا الموقف من جانب الأمير الزاهد لا مثيل له في تاريخ مصر المحروسة الحديث، وربما فيما هو أبعد من تاريخها الحديث، لأن الناس عاشوا يعرفون التقاتل على مقاعد السلطة، ولم يعرفوا هذه الدرجة المثالية في النظر إلى الكرسي. فإذا كان الكرسي كرسي سلطان بكل ما يعرفه صاحبه حوله من هيلمان، فإن الدهشة من موقف الأمير تظل مقرونةً بدرجة مماثلة من الإعجاب.

ولا يكاد الكرسي الذي زهد فيه المحافظ الشكري يقل عن كرسي الأمير الزاهد، وإلّا فهل يمكن لكرسي محافظ البنك المركزي في بلد نفطي مثل ليبيا أن يكون أقل شأناً من كرسي الحكم أو السلطة بمعناها السياسي المباشر؟

والذين يتابعون الشأن العام الليبي يعرفون أن المجلس الرئاسي الذي يرأسه محمد المنفي، كان قد أصدر قراراً يتولى بموجبه محمد الشكري منصب محافظ البنك المركزي، خلفاً للصديق الكبير الذي تولى المنصب لسنوات طويلة. كان الصديق قد بقي في منصبه طويلاً إلى حد أن كثيرين صاروا يقرنون بين الكيان وبين الشخص، ولا يتصورون وجود البنك المركزي الليبي بغير أن يكون الصديق على رأسه، كما لا يتخيلون الصديق بغير أن يكون على قمة البنك.

وللأمانة، فإن الأنباء التي كانت تأتي عن البنك طوال وجود الرجل على قمته، كانت تشير إلى أنه عاش يحرص على إبعاد البنك المركزي عن الصراعات السياسية التي تموج بها البلاد منذ ما يزيد على عقد من الزمان، وعاش يراعي الحدود الدنيا في الحفاظ على استقلالية الكيان الذي جعلته الظروف مسؤولاً عنه، وقد كان يفعل ذلك ويمارسه عن دراية بأن ألف باء عمل أي بنك مركزي في العالم هو استقلاليته عن السلطة التنفيذية في البلد.

وهذا بالضبط هو ما يدركه المحافظ المكلف أيضاً، وقد أدركه أكثر في اللحظة التي جاءه فيها تكليف المجلس الرئاسي بأن يكون على رأس البنك المسؤول عن وضع السياسة النقدية في البلد، والمسؤول كذلك عن عدم السماح للحكومة بألا تطغى سياستها المالية على سياسة البنك النقدية، والمسؤول للمرة الثالثة عن أن يظل يعمل في هذا النطاق، فتأتي سياسة الحكومة المالية في النهاية سياسة رشيدة، ولا تكون على حساب السياسة النقدية، أو على حساب استقلاليتها التي لا فصال حولها في أي اقتصاد متماسك.

أدرك المحافظ الشكري هذه المعاني الاقتصادية كلها، فقال إنه لا يقبل أن يكون جزءاً من العبث السياسي الدائر في ليبيا، وأن مجلس النواب إذا كان لا يوافق على توليه هذا المنصب ولا كذلك مجلس الدولة، فإنه لن يوافق على تولي منصب المحافظ، إلا إذا توافق المجلسان عليه، وإلا إذا رضيا معاً بأن يكون في موقع المحافظ بدلاً من الصديق الكبير.

وليس سراً أن الجَمل بما حَمل يتصارع عليه كثيرون في ليبيا، وأن تكليف الشكري وجهٌ من وجوه هذا الصراع، وأن الخلاف الحاصل على تكليفه ينقل الصراع من صراع على السلطة إلى صراع على الثروة، ولذلك يرفض التكليف الذي يأتي كأنه قناع لأشياء وراءه يراها بالقطع الليبيون جميعاً ويعرفونها كما يعرف كل مواطن منهم يديه.

والحقيقة أن في ليبيا ستة رجال لو جلسوا على مائدة واحدة واتفقوا على تقديم الوطن على ما سواه، فلن تكون في البلاد مشكلة، وعندها ستكون ليبيا على ما يتعين أن تكون عليه. في البلاد خليفة حفتر قائد الجيش، وعقيلة صالح رئيس البرلمان، وأسامة حماد رئيس حكومة الاستقرار في الشرق، ومحمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي، ومحمد تكالة رئيس مجلس الدولة المنتهية ولايته، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة في الغرب. ولو توافقوا جميعهم على أن تكون ليبيا أولاً لا ثانياً، فلن تكون بلادهم في حاجة إلى المبعوث الأممي الذي يروح عليها ويجيء من دون تقديم أي شيء.

ليبيا في حاجة إلى رجال من نوعية محافظ البنك المكلف، الذي أظهر لنا ما يشير إلى أنه لا يشغله منصبه في البنك بقدر ما يهمه بلده، والذي يقدم استقرار البلد على وظيفته الرفيعة في البنك، والذي لا يغريه الجَمل بما حَمل. لا يغريه ذلك ولا يتردد في التخلي عنه إذا ما أحس بأن سمعة البنك، هي ثمن قبوله بالجلوس على رأس الكيان المختص بصناعة السياسة النقدية في البلد، وحماية مركز عُملته الوطنية بين بقية العُملات.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الجمل بما حَمَل في ليبيا الجمل بما حَمَل في ليبيا



GMT 02:18 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لعنةُ إبادة غزة وارتداداتُها

GMT 02:16 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

فارق الوقت وفالق الزلازل

GMT 02:13 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لنعدّ أنفسنا لواقع جديد!

GMT 02:12 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

نندم... لكنْ ماذا بعد الندم؟

GMT 02:11 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

عامٌ خامسٌ من الحربِ ولا سَلامَ في الأفق

GMT 02:10 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

رمضان والمجتمع

GMT 02:09 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

متحف الأوهام

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt