توقيت القاهرة المحلي 06:29:27 آخر تحديث
  مصر اليوم -

وريث أرض الشام

  مصر اليوم -

وريث أرض الشام

بقلم: سليمان جودة

أعتقد دائماً في صدق العبارة التي أطلقها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب فقال: «أظهروا لنا أحسن ما عندكم، والله أعلم بالسرائر». ولو شاء أحد أن يختار عنواناً للحكومة السورية الجديدة التي أعلنها الرئيس أحمد الشرع قبل عيد الفطر بيومين، فلن يجد أفضل من هذه العبارة، لأنها بالنسبة إلى الحكومة بمثابة الشيء الذي يقال عنه إنه يوافق واقع الحال.

وعندما قال الرئيس الشرع إنه «سعى قدر المستطاع لاختيار الأكفأ»، وإنه «فضّل المشاركة على المحاصصة في الاختيار»، فإنني أجده صادقاً فيما قال، وبالذات فيما يخص تفضيل المشاركة على المحاصصة في تشكيل الحكومة. ولا أعرف ما إذا كان اعتراض الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرقي البلاد على تشكيلة الحكومة، سوف يعطل الاتفاق الذي وقَّعته «قوات سوريا الديمقراطية» مع الشرع، أم أن هذا شيء وذاك شيء آخر؟

إنك إذا تطلعت إلى العراق فلن تحتاج إلى جهد كبير لترى عواقب المحاصصة، وإذا تطلعت إلى لبنان فلن تحتاج إلى جهد كبير أيضاً لترى عواقب المحاصصة نفسها، وبالتالي فإن محاولة الإفلات من هذه العواقب في تشكيلة الحكومة السورية الجديدة أمر يجب أن يُحسب للإدارة في دمشق، كما يجب أن نظل نحسب ذلك في ميزان هذه الحكومة الآن على الأقل، ثم إلى أن نرى أثر التجربة في حياة الناس هناك.

كَمْ يتمنى المرء لو أن رئيس الوزراء في بغداد يجري اختياره على أساس عراقيّته وحدها، وليس على أي أساس آخر يتصل بانتمائه إلى طائفة بعينها. وكَمْ يتمنى المرء لو أن هذا هو الحاصل في منصب رئيس البرلمان، وكذلك في موقع رئيس الدولة. كَمْ هو ثقيل على الأُذن أن تسمع كلمة سُني، أو شيعي، أو كردي، وأنت تستعرض الأسماء التي تشغل هذه المواقع الثلاثة. فعراقيّة المواطن في بلاد الرافدين أشمل وأجمل، وهي تساوي بين الكل إذا تعلق الأمر بما على كل مواطن من واجبات أو بما له من حقوق، ولا شك في أن المواطنة بصفتها مبدأ تبقى مظلة كافية لأن تمتد فوق الجميع، فتكون كأنها السقف الذي يحمي ويُظلّل ويحتوي.

وكَمْ يتمنى المرء في لبنان ما يتمناه في العراق، ولكن المحاصصة المقيتة كانت ولا تزال تُفسد على الأشقاء في البلدين حياتهم، وكانت ولا تزال تُفرِّق ولا تجمع. فالمشاركة هي الصيغة الأفضل، لأنها لا تتطلع في بيانات البطاقة الشخصية لكل مواطن إلا إلى جنسيته، وما عداها لا يهم ولا يجب أن يهم.

من علامات المشاركة التي قصدها الشرع وهو يتحدث عن حكومته الجديدة، أن فيها وزيراً كردياً للتعليم، وأن فيها وزيرة مسيحية للشؤون الاجتماعية، وأن فيها وزيراً علوياً للنقل، وأن فيها وزيراً درزياً للزراعة.

هذه صيغة أفضل بالتأكيد، لأن المعنى أن الأكراد والمسيحيين والعلويين والدروز موجودون في الحكومة، وأن أساس الوجود في الحالات الأربع هو المشاركة لا المحاصصة. ولكن الشيء المؤسف أن الإدارة الذاتية الكردية اعترضت، وأنها وصلت في اعتراضها إلى حد قولها إنها ليست معنية بتنفيذ قرارات هذه الحكومة.

هذا شيء مؤسف لأن دمشق تتكلم عن المشاركة، بينما الإدارة الذاتية الكردية تتكلم عن المحاصصة، التي لم تظهر في أي بلد إلا أفسدت الحياة فيه، لأن الانتماء في الحالة الثانية إنما هو إلى الطائفة، لا إلى الوطن بكل ما يعنيه من رحابة، ومن امتداد، ومن اتساع.

ومما قاله الشرع وهو يتعرض للانتقادات التي طالت حكومته، إن إرضاء الكل ليس ممكناً، وإنه حاول الإرضاء ما استطاع. وهذا صحيح إذا تطلعنا إلى ما يقوله بمنظار عبارة الخليفة الراشد الثاني، ولكن لأن الشرع يجلس في عاصمة الأمويين، فإن «شعرة معاوية» الشهيرة يجب ألا تفارق يديه.

«شعرة معاوية» لا بد أن تكون حاضرة أمام الشرع في قصر الشعب طول الوقت. فالذين يتربصون بسوريا كثيرون، والذين خسروا نفوذهم فيها لا يسلِّمون بالخسارة، والذين استثمروا فيها على مدى سنين يصعب عليهم أن يكون استثمارهم بغير عائد، والسوريون الذين فقدوا كل شيء أيام نظام الأسد يريدون الآن كل شيء أيضاً.

كل سوري - كردي مدعوٌّ إلى أن يترفق بسوريا لأنها وطنه الأم، وكذلك كل مسيحي وعلوي ودرزي، لأن حضن الأم أوسع من حاضنة الطائفة، ولأن الروح المعنوية في «شعرة معاوية» هي التي لا بد أن تكون بوصلة لدى الطرفين. فإذا شدها الشرع اليوم فليس أمام الطرف الثاني إلا أن يُرخيها، وإذا أرخاها الطرف الثاني فإن دمشق سوف يكون عليها أن تشدها، ولا يوجد خيار آخر إلا أن تنقطع الشعرة، لا قدَّر الله.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

وريث أرض الشام وريث أرض الشام



GMT 02:18 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لعنةُ إبادة غزة وارتداداتُها

GMT 02:16 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

فارق الوقت وفالق الزلازل

GMT 02:13 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لنعدّ أنفسنا لواقع جديد!

GMT 02:12 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

نندم... لكنْ ماذا بعد الندم؟

GMT 02:11 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

عامٌ خامسٌ من الحربِ ولا سَلامَ في الأفق

GMT 02:10 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

رمضان والمجتمع

GMT 02:09 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

متحف الأوهام

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:37 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:30 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الأسد الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:31 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العذراء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:27 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجوزاء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 03:52 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

هل تدريس الرياضيات يحسّن من مستوى الطلبة؟

GMT 07:40 2025 الإثنين ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

موعد مباراة بلغاريا وجورجيا في تصفيات كأس العالم 2026

GMT 21:38 2021 الأربعاء ,13 كانون الثاني / يناير

تقدم منتخب مصر لليد على تشيلي بنتيجة 28 / 23 بعد 50 دقيقة

GMT 13:27 2019 الإثنين ,24 حزيران / يونيو

تسريب بعض مواصفات هاتف "Xiaomi" الأكثر تطورًا

GMT 19:26 2017 الثلاثاء ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

ليلى علوى تبدأ تصوير دورها في فيلم "التاريخ السري لكوثر"

GMT 08:47 2023 الأحد ,01 تشرين الأول / أكتوبر

لماذا أكتب لك؟؟ وأنت بعيد!!
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt