توقيت القاهرة المحلي 01:25:28 آخر تحديث
  مصر اليوم -

استبداد «مودرن»

  مصر اليوم -

استبداد «مودرن»

بقلم: سليمان جودة

عاش العالم خلال السنة الفائتة، أكبر موجة انتخابات عرفتها البشرية على الإطلاق، في الوقت الذي تراجعت فيه الديمقراطية بوتيرة خطيرة وغير مسبوقة. ذهب إلى صناديق الاقتراع مواطنو أكثر من ستين دولة - بينها الهند وباكستان وروسيا وأميركا وبريطانيا - هؤلاء يشكلون نصف سكان العالم. بالنتيجة رأينا في الحكم من جديد، دونالد ترمب وناريندرا مودي وفلاديمير بوتين. الانعكاسات لم تكن قليلة، لكنها لم تقرّب أحداً من الحرية المنشودة.

لم نقرأ دراسة واحدة تشير إلى أن الديمقراطية تتقدم، بل إن الانتخابات الأخيرة أظهرت أن الانتكاسات لم تعد حكراً على دول متخلفة أو استبدادية، بل وصلت إلى عمق الغرب وبات الأوروبيون يتحدثون عن تراجع الحريات في أميركا، فيما أميركا تتهم أوروبا بتخلفها عن الركب.

الكلام هو عن انحراف، باتجاه أنظمة لها واجهات ديمقراطية ومضمون استبدادي. وهذا قد يسمى «ديمقراطية غير ليبرالية» من باب اللطف أو «استبداد ناعم» وربما «استبداد انتخابي».

التراجع حالة تراكمية متواصلة منذ مطلع القرن. دراسات عدة أجريت في السنتين الأخيرتين، تبين أن 8 في المائة فقط من سكان العالم، يمكن عدّهم يعيشون في ديمقراطيات حقيقية. طال التراجع دولاً في أميركا اللاتينية وأفريقيا وتتوج إسرائيل على رأس اللائحة، رغم أنها لا تزال تباهي بديمقراطيتها.

جاء في تقرير «فريدوم هوس» أن التراجع متواصل منذ 18 عاماً، في الهند «أكبر ديمقراطية في العالم» قمع للأقليات وتضييق على حرية التعبير، فيكتور أوربان في المجر، عاشق الحواجز والجدران، بات يوصف بـ«أخطر رجل في أوروبا»، وفي ميانمار حيث كان يظن أن فرجاً قد حلّ، فإذا بانقلاب ينهي الأمل. النقاط المضيئة قليلة، وفي بلدان لا تملك قلب الموازين مثل النرويج ونيوزيلندا.

ثلثا البشرية يعيشون فعلياً تحت حكم أنظمة استبدادية. و42 دولة شهدت تدهوراً ملحوظاً. وأكثر من عشر دول كانت تعد ديمقراطيات ليبرالية، فقدت مكانتها خلال عام واحد فقط. وتضيف دراسة «أنماط الديمقراطية» أن 60 دولة تستخدم التضليل الإلكتروني والذكاء الاصطناعي لقمع النشطاء، وهو رقم يبدو متواضعاً لو قورن بالواقع.

غالبية المستطلعين يشتكون من أن النخب السياسية لا تهتم برأي المواطن. وما يخشى منه هو عودة إلى ديكتاتوريات صريحة، بوجهها العبوس، أو استبدادية «مودرن» بلباس عصري، لا تشهر مخالبها وإنما كاميراتها، وخوارزمياتها، ومنصاتها، وقراصنتها، تضعها كلها في خدمة ما بات يسمى «أنظمة سياسية هجينة» ويقصد بها أنها تعتمد على الانتخابات لإيصال أشخاص محددين إلى السلطة، يحكمون بقوة النفوذ ورأس المال.

وكما هناك «هاتف ذكي» و«غسالة ذكية» و«سيارة ذكية»، يوجد كذلك «استبداد ذكي» ينمو أمام أعيننا بحلة برّاقة وأدوات لمّاعة. هذا لم يعد حكراً على دول توجه إليها أصابع الاتهام مثل الصين وسنغافورة وروسيا، بل يتمدد كالوباء النشط.

تهادن الدراسات حين تقول إن ثلثي دول العالم تضع قيوداً على وسائل الإعلام، فيما الشعوب تشعر بالريبة، من كل مصادر الأخبار، تقليدية كما وسائل التواصل، وهذا يساهم في وضع الناس في مناطق يخيم عليها الشك وعدم الثقة.

في سبعينات القرن الماضي، بدت الديمقراطية وكأنها سيل جارف، أو نعمة لا بد منها، وصارعت شعوب كثيرة، من أجل الفوز بها. مع سقوط جدار برلين، قال لنا فرنسيس فوكوياما إنها «نهاية التاريخ» وإن الديمقراطية هي قدرنا، وأقصى ما ستبلغه البشرية من رقي. بعد أقل من عقد ونصف رأينا الحركات الشعبوية تغزو أميركا وأوروبا وتقلب الطاولة، وهي تحدثنا عن إيجابيات التقوقع والانعزال. خرجت بريطانيا بعدها من الاتحاد الأوروبي، ودعا دونالد ترمب في رئاسته الأولى، إلى حمائية أميركية كسبيل وحيد لاستعادة المجد الضائع، ورأينا مثيلاً له في المجر وبولندا.

حلّ الوباء ليلهب جذوة كانت خافتة، فازدادت الرقابة، وقيدت الحريات، وفرضت قوانين مكبلة، بحجة الحفاظ على صحة الإنسان، وبدأت حرب التتبع، بعد بصمات الأصابع، بصمة العين والوجه، وربما رفة الجفن.

لا براءة للتكنولوجيا من القمع الذي يتصاعد، فهي واحدة من الأدوات المحببة للأنظمة الحديثة التي تتهافت للحصول عليها، ومراقبة الشعوب، باسم حفظ الأمن وضبط المخالفات. كان هذا عيباً تعيّر به الصين، فصار أسلوب حكم، لا يملك الضحايا حق الاحتجاج عليه.

نحن في زمن «اقتراع أكثر وحرية أقل». معادلة غير مفهومة، لكنها واحدة من سمات العصر، التي ستتفاقم إن لم تحارب بكل وسيلة.

قدّمت إذاعة «فرنسا الثقافية» سلسلة حلقات متسلسلة تحت عنوان «إنهاء الديمقراطية»، تحدثت فيها عن خيبة الباحثين عن الحرية بعد انتهاء الحرب الباردة، وكيف أن السكاكين والخناجر تطعن في الديمقراطية من كل صوب. فهي تحارب في صناديق الاقتراع، ومن خلال فصلها عن العلمانية، وعبر أضاليل وسائل التواصل، وبقوة الرأسمالية، وفتنة الانتماءات والهوية، وأخيراً وليس آخراً جاء الوسط الأوروبي المتطرف، ليرميها بالضربة القاضية.

ولكن ماذا لو ماتت الديمقراطية فعلاً، أي بؤس ينتظرنا؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

استبداد «مودرن» استبداد «مودرن»



GMT 05:33 2026 الجمعة ,24 تموز / يوليو

الكلام لكِ يا جارة

GMT 05:31 2026 الجمعة ,24 تموز / يوليو

«إشارة» و«ينتظرون دموعه».. قصتان قصيرتان

GMT 02:54 2026 الجمعة ,24 تموز / يوليو

صالح أبو سمرة.. سيرة الدم فوق الحديد!

GMT 02:53 2026 الجمعة ,24 تموز / يوليو

ترامب يهبط بإعلام أمريكا للعالم الثالث!!

GMT 02:47 2026 الجمعة ,24 تموز / يوليو

بديل السياسة الغائبة

GMT 06:23 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

شرقٌ لا شرقَ بعده

GMT 06:21 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

عون في البيت الأبيض: زيارة الطلاق مع إيران

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 09:51 2026 الخميس ,05 آذار/ مارس

عيوب خطيرة تتسبب في سحب 4.3 مليون سيارة فورد

GMT 10:44 2022 الخميس ,21 إبريل / نيسان

نانسي عجرم بإطلالات أنيقة وجذابة

GMT 13:52 2021 الخميس ,06 أيار / مايو

الكشف عن سكودا فابيا 2022 الجديدة كليا

GMT 14:50 2020 الخميس ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

دياب يشارك فى بطولة "نسل الأغراب" مع أحمد السقا وأمير كرارة

GMT 20:08 2020 الأحد ,28 حزيران / يونيو

روسيا تسجل 6791 إصابة جديدة بفيروس كورونا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt