توقيت القاهرة المحلي 06:03:37 آخر تحديث
  مصر اليوم -

سؤال الطبع الوطنى للمصريين

  مصر اليوم -

سؤال الطبع الوطنى للمصريين

فهمي هويدي

أول مقال قرأته فى العام الجديد كان أحد عناوينه يتحدث عن «موسم العبط فى مصر»، وقد نشرته مجلة الإيكونوميست فى عدد الأول من شهر يناير، الموضوع الأساسى للمقال هو اللغط الذى أثير فى مصر وتحقيقات النائب العام بخصوص إعلان ترويجى استعانت به شركة الهاتف المحمول الشهيرة للدعاية لمنتجاتها، بطلة الإعلان شخصية باسم «أبلة فاهيتا»، التى تجرى حوارات اعتبرها البعض محملة برسائل ورموز مشفرة تضمنت توجيهات لها علاقة بالعمليات الإرهابية. مقال الإيكونوميست يعبر عن الدهشة إزاء المستوى الذى وصل إليه الهوس الأمنى فى مصر، الذى بدا أقرب إلى السَفَه والعبط منه إلى اليقظة والحذر. ما لاحظته فى الموضوع أن أطرافا فى الإعلام الأمنى والنيابة العمومية أخذت المسألة على محمل الجد، وهو موقف قوبل من جانب المعلقين فى مواقع التواصل الاجتماعى بدرجات مختلفة من الدهشة والسخرية. الأمر الذى يحير المرء ويدفعه إلى التساؤل عن مدى تعبير هذا الموقف أو ذاك عن حقيقة المزاج الشعبى فى مصر. يدفعنى إلى ذلك أننى كنت قد قرأت عن العلاقة الوثيقة بين أداء النخب فى المجتمع وبين المستوى الحضارى للشعوب، وهى الفكرة المحورية فى كتاب شهير عنوانه «السياسة بين الأمم»، الذى ألفه عالم السياسة الأمريكى مورجان ثاو، واعتبر فيه ان الرؤية الاستراتيجية لكل بلد هى ثمرة تفاعل بين المصلحة الوطنية من جهة والقدرات الوطنية من جهة ثانية. وهذه القدرات الأخيرة تتحدد فى ضوء عاملين، أحدهما متغير والثانى ثابت. الأول يتمثل فى الامكانيات الاقتصادية والصناعية والقوة السياسية التى يعبر عنها التأييد الشعبى والحضور الدبلوماسى. أما العامل الثابت فهو يتمثل أولا فى الوضع الجغرافى وثانيا فيما يصفه مورجان ثاو بالطبع الوطنى. وهذه النقطة الأخيرة هى التى تهمنى فى الموضوع. ذلك أن الكاتب فى تحليله للطبع الوطنى عُنى بالإشارة إلى بعض النماذج، فذكر ان الإنجليز مشهورون ببرودة دمِّهم، وإن الفرنسيين يتسمون بالعقلانية الديكارتية، فى حين أن الروس معروفون بخوفهم من السلطة ومن الأجنبى. وهو ما دفعنى إلى التساؤل عما إذا كان للعرب طبعا وطنيا واحدا، أم ان اختلاف أقطارهم وتوزعهم على رقعة جغرافية مترامية الأطراف جعل لكل قطر أو إقليم طبعه الوطنى المتميز. وفى هذه الحالة يثور السؤال عن الطبع الوطنى للمصريين، وما إذا كانت الصورة المرسومة فى الفضاء الإعلامى والسياسى الراهن تعبر حقا عن المستوى الحضارى للشعب المصرى. وهذا التساؤل الأخير يكتسب أهمية خاصة عندى ليس فقط بسبب رابطة الانتماء المفهومة، ولكن أيضا لأننى أزعم أن الأفق السياسى والإعلامى فى مصر بات يعانى من التلوث والتشوه الذى يسرب إلى المرء شعورا بالقلق والخوف من أن يكون بحالته تلك ممثلا للمستوى الحضارى للشعب. ليس بمقدورى أن أجيب على شق السؤال المتعلق بالطبع الوطنى للأمة العربية أو شعوبها، بسبب شح الدراسات التى عالجت الموضوع، إلى جانب أننا فى العالم العربى أكثر ميلا إلى تمجيد الذات منا إلى نقدها، علما بأن ذلك التمجيد له جذوره الممتدة إلى عصور الجاهلية. وإذا جاز لى أن أتحدث عن مصر فلعلى أقول إن تمجيد الذات له نبرته العالية، فى حين أن نقدها يقابل بالاستهجان والدهشة. ومصطلح «أم الدنيا» يغلق الباب أمام أى محاولة للمراجعة والنقد. وحسب معلوماتى فإن الدراسات التى أجريت حول وصف تقاليد المصريين وأعرافهم أوفى بكثير من تلك التى قامت بتحليل الشخصية المصرية. كما ان ثمة ندرة شديدة فى الدراسات التى تناولت القيم السائدة فى أوساط المصريين فى أطوار حياتهم المختلفة. لذلك أذهب إلى أن التطرق إلى الموضوع فى الوقت الراهن يعتمد على الانطباعات بأكثر من اعتماده على البحوث والدراسات. فى إطار الانطباعات أسجل الملاحظات التالية: • إن المرحلة الانتقالية التى تمر بها مصر والتى تتسم بالسيولة وبعدم الاستقرار لا توفر ظرفا مواتيا لتقييم أو تحليل القيم السائدة، ومن ثم رسم خريطة معبرة حقا عن الطبع الوطنى للمصريين. • إن الصراع المحتدم الآن أحدث انقلابا فى وعى المصريين، حتى وجدنا أن المجتمع الذى صوت خمس مرات لصالح استفتاء وانتخابات النظام السابق والذى هتف ضد العسكر، هو ذاته الذى استسلم لموجة كراهية النظام السابق وأهله، وباتت أبواقه تتوق إلى حكم العسكر. • إن ذلك الصراع والتعبئة الإعلامية التى صاحبته استخرجا من عامة المصريين أسوأ ما فيهم، بقدر ما أن التوافق فى ثورة يناير استخلص منهم أفضل ما فيهم. لذلك فإن الظرف الراهن لا يعد توقيتا مناسبا لإجراء التقييم المنشود. • إن تغييب الديمقراطية فى مصر لأكثر من خمسين عاما دمر الحياة السياسية وشوهها، بحيث بات متعذرا علينا أن نتحدث عن طبقة سياسية حقيقية فى البلد، وإنما صرنا بإزاء هواة يمارسون السياسة وليسوا سياسيين محترفين. الأمر الذى فى ظله يتعذر القول بأن الطبقة السياسية الراهنة تعبر حقيقة عن المجتمع المصرى أو عن طبعه. وحين يصبح هؤلاء منتخبين من المجتمع وليسوا مفروضين عليه من خلال الإعلام أو غيره فإن ذلك يكون مدعاة للاطمئنان إلى تمثيلهم للرأى العام المصرى. وحينئذ فقط يمكن اعتمادهم كأحد عناصر تقدير الطبع الوطنى للمصريين. نقلاً عن "الشروق"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سؤال الطبع الوطنى للمصريين سؤال الطبع الوطنى للمصريين



GMT 05:47 2026 الإثنين ,21 أيلول / سبتمبر

هل انتهت الأمم المتحدة؟

GMT 05:46 2026 الإثنين ,21 أيلول / سبتمبر

العراق في الواجهة مجددا!

GMT 05:41 2026 الإثنين ,21 أيلول / سبتمبر

السِتّ تنتصر والمأمون يتساءل!

GMT 05:38 2026 الإثنين ,21 أيلول / سبتمبر

لماذا ترتبط السمنة بالإنسان الحديث؟

GMT 05:36 2026 الإثنين ,21 أيلول / سبتمبر

لا تتحكموا في أذواق الناس

GMT 05:33 2026 الإثنين ,21 أيلول / سبتمبر

باب المندب وما حوله.. الحسابات الحرجة!

GMT 05:31 2026 الإثنين ,21 أيلول / سبتمبر

الشرع.. التمنيات وحدها لا تغير الواقع

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل الملابس الرجالية التي يمكن أن يختارها لترافقه

GMT 21:32 2022 السبت ,22 تشرين الأول / أكتوبر

التحقيق في سرقة قطع أثرية من متحف كلية آثار جامعة سوهاج

GMT 07:54 2020 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أسعار الدواجن في مصر اليوم الخميس 05 تشرين الثاني /أكتوبر 2020

GMT 06:16 2025 الثلاثاء ,15 تموز / يوليو

ديكورات "مودرن" وعمليّة في غرف الجلوس
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt