توقيت القاهرة المحلي 21:27:34 آخر تحديث
  مصر اليوم -

فرنسا.. وعنب فرنسا (1)

  مصر اليوم -

فرنسا وعنب فرنسا 1

مصر اليوم

كانت الجلسة اليومية تنعقد بعد الغروب على قهوة قشتمر بالظاهر بين مجموعة الأصدقاء الذين يعتزمون السفر للخارج بعدما انتهى العام الدراسي الجامعي. ليسوا جميعا في كلية واحدة، لكنهم ينتمون لخليط من الكليات والمعاهد.تجمعهم صداقة عمر ورفقة المدرسة الثانوية والحلم المشترك بعبور المتوسط وتنسم ريح الشمال في أوروبا. كان أصدقاؤهم الأكبر سناً قد ملأوا خيالهم بالأحلام العظيمة عن أوروبا الجميلة التي تتوق للمصري الذي يؤكل حاف من حلاوته!. وسرت بينهم جميعا نغمة لم يعرف أحد من الذي أطلقها عن قصص النجاح التي تحققت لمصريين كانوا جميعاً يشبهونهم، ولم تخرج قصة كل منهم عن حدوتة المصري الذي ذهب لمزرعة العنب بفرنسا فوقعت في هواه ابنة صاحب المزرعة فتزوجها وصار هو السيد الاَمر الناهي في المزرعة وأصبح من أعيان فرنسا، أو عن الاَخر الذي عمل بأحد المطاعم في لندن فصرع بوسامته الشرقية ابنة صاحب المطعم وفرض على أبيها تزويجه ابنته ووريثته الوحيدة، وسرعان ما توفي الأب وترك لصاحبنا المطعم الشهير بميدان بيكاديللي! أو عن الثالث الذي ذهب يبيع الجرائد بالنمسا فاستلطفته وتعلقت به زوجة الباترون النمساوي الذي يرأسه في العمل وتركت زوجها من أجله وفتحت له مشروعاً صغيراً في فيينا. لعبت هذه القصص بمخيلتهم وصاروا يعتقدون ان الحصول على الفيزا فقط هو ما يفصلهم عن تحقيق أحلام الحب والمغامرة والثراء الفاحش في أوروبا، فانطلق كل منهم الى احدى السفارات ومعه جواز سفره الصالح لمدة ستة شهور فقط.. بعضهم عاد مظفراً ومعه تأشيرته والبعض أخفق في الحصول عليها فأجل حلمه للعام القادم. من حسن حظه أنه كان من المحظوظين الذين ذهبوا للقنصلية الفرنسية الكائنة بحارة صغيرة خلف شارع الشواربي، ومن خلال شباك يطل على الرصيف قدم لهم الجواز مع الطلب الذي قام بملئه، ومن عجب أنهم منحوه الفيزا السياحية لمدة أسبوع على الرغم من أنه لم يكن يمتلك سوى ورقة مالية بمائة دولار كلفته 69 جنيهاً بأسعار أواخر السبعينيات أخذهم من والده بعدما وعده باحضار المروحة والكاسيت وهو عائد متوج بأكاليل الغارمن باريس. ركب الطائرة للمرة الأولى في حياته، وأثناء الرحلة تعرف على شاب مصري اسمه اميل كان في الطريق الى باريس ومعه خطيبته الفرنسية «سيلفي» التي حضرت لزيارته بالقاهرة والتي يعتزم الزواج منها بعد بضعة أيام في باريس.قام بتبادل السجائر والحكي مع اميل فنشأ بينهما شعور بالألفة والمودة وأخبره بأنه يسافر للمرة الأولى ولا يعرف أحداً بفرنسا، بل لا يعرف حتى الى أين يذهب بعد ان يخرج من المطار. قبل هبوط الطائرة كانا قد أصبحا وكأنهما صديقين من زمان حتى ان اميل صارحه بأنه غير متحمس للزواج من سيلفي، لكنه يعلم أنها لن تتركه يفر منها!. بعد ان أخذ حقيبته من على سير الأمتعة خرج الى الرصيف خارج مطار أورلي يتلفت حوله فلمح أوتوبيساً مكتوب عليه: «عندما تكون في باريس افعل كما يفعل الباريسيون» فامتلأ بالحماسة والاثارة وحدّث نفسه بأنه غداً سيعرف ما يفعل الباريسيون ولسوف يفعل بالتأكيد مثلهم. عندما همّ بركوب الأوتوبيس فوجئ باميل ينادي عليه ويخبره بأن سيلفي قد وافقت على ان يبيت الليلة معهما ببيتها، على ان يغادر في الصباح ويشق طريقه في باريس بمعرفته. شكرها كثيراً وركب معهما تاكسياً حملهم الى ضاحية «لا ديفانس». كان يتطلع من الشباك والتاكسي يقطع الطرقات ويعبر الكباري وينزل الى الأنفاق، وأدهشه الاحساس الذي يعرفه الناس جميعاً عندما يمرون بموقف يبدو لهم أنه قد حدث من قبل وان هذه ليست المرة الأولى التي يعيشون فيها ويرون ما يرونه.. شعر ان ركوب السيارة بصحبة هذين الشخصين والشوارع التي تقطعها والمناظر التي يراها.. شعر ان هذا كله قد عاشه من قبل وان هذا المشهد قد سبقت له رؤيته، ولكن كيف وهذه هي أول زيارة له الى فرنسا؟ لا شك ان هذا قد حدث في حياة سابقة!. عند وصول التاكسي حاول ان يشارك في دفع الأجرة الا ان اميل رفض رفضاً قاطعاً. اليوم بعد مرور ما يقرب من ثلاثين سنة على تلك الأيام كثيرا ما يسأل نفسه: هل مازال هناك شاب مثل اميل موجوداً بمصر يمكن ان ينفتح قلبه لشاب مصري ليس مسيحياً مثله وان يبدد وحشته ويستضيفه ليبيت عنده دون أي مصلحة؟.. هل مازالت هذه الأشياء موجودة؟.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فرنسا وعنب فرنسا 1 فرنسا وعنب فرنسا 1



GMT 09:44 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»

GMT 09:42 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

تحديات وقف إطلاق النار

GMT 09:40 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

نيران إسرائيلية صديقة!

GMT 09:38 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

عودة رواد الفضاء

GMT 09:36 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

هولاكو وأمير المؤمنين

GMT 09:35 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

هل ضعفت مناعة لبنان؟

GMT 09:33 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

دائما: مصر تدعم لبنان !

GMT 10:44 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

الحرب وقطاع المنسوجات!

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 09:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 08:59 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

القمر في منزلك الثاني ومن المهم أن تضاعف تركيزك

GMT 00:27 2019 السبت ,11 أيار / مايو

تدخل الاتحاد التونسي في قرارات الكاف

GMT 22:37 2019 الإثنين ,18 آذار/ مارس

" ابو العروسة " والعودة للزمن الجميل

GMT 00:22 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

ديوكوفيتش يعترف بتقلص فرصه في حصد الألقاب الكبرى

GMT 15:00 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

الإسماعيلي يفتقد 5 لاعبين أمام الزمالك في الدوري

GMT 22:53 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

تعرف على قائمة الرؤساء التاريخيين للنادي الأهلي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt