توقيت القاهرة المحلي 01:45:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

خُبز وهارمونيكا

  مصر اليوم -

خُبز وهارمونيكا

أسامة غريب
الناس لا تكف عن استعادة الماضى والحنين إليه، مع تصور أنّ مخزناً للسعادة كان يوجد فى أحد أركانه، غير أن الدنيا الظالمة ألقت بنا إلى ركن آخر! عن نفسى فإننى لست ممن يحنّون إلى قصة حب قديمة أو يستعيدون ذكريات أيام خالية، بتصور أنها كانت كفيلة بمنحنا سعادة أكثر مما حصلنا عليه.. لكننى مع ذلك من أولئك الذين يتمنون لو عادت الأيام من جديد حتى يعيشوا الحياة بطريقة أخرى ويشقّوا لأنفسهم طريقاً مختلفاً عما اتخذوه بالفعل. من أجمل أحلامى التى تمنيتها عندما كنت صغيراً خالى الذهن عن اعتبارات اللياقة الاجتماعية وباقى الأفكار الخائبة أن أشتغل خبازاً. كنت أمر بجوار مخبز ملاصق لبيتنا فى الطفولة فأشم رائحة الخبز الطازج لحظة خروجه من الفرن. هذه الرائحة كانت تطيح بصوابى من فرط روعتها وكانت تمدنى بزاد من الأمل والتفاؤل طوال اليوم، لدرجة أننى تمنيت لو أنهم استطاعوا تعبئة هذه الرائحة فى زجاجات حتى أحملها فى جيبى فأستخدمها عندما يداهمنى الاكتئاب أو تناوشنى الأفكار السوداء.. لكن مع الأسف لم تسمح الدنيا لى بذلك ودفعت بى فى سكك أخرى لا تأتى للقلب بالفرحة ولا للنفس بالطمأنينة. ليس هذا هو الحلم الوحيد الذى ضاع، لكن لو دار الزمن من جديد فقد لا أتخلى هذه المرة عن أن أكون عازفاً متجولاً بالشوارع أحمل قيثارتى معى وأنتقل من مدينة لأخرى ولا أستقر فى مكان. وإنى أعترف بأننى طالما حسدت هؤلاء الشباب الذين رأيتهم فى أوروبا يعزفون فى محطات المترو وفى الحدائق ويعيشون حياة الطيور التى تزقزق وتنتقل من غصن لغصن فى حياة خالية من الملل والنفاق وارتداء ربطات العنق وانتظار العلاوة الدورية. وبطبيعة الحال لست جاهلاً بطبيعة ما يلاقيه هؤلاء من شظف العيش وتمنِى بعضهم أن يلتحق بوظيفة مستقرة لها مكتب ودخل ثابت، ولا أنا غافل عن أن بعضهم قد يغبطنى ما أنا فيه ويعرض بكل أريحية أن يبدّل معى وأن يعطى كل منا للآخر ما لديه.. أستطيع أن أتفهم ذلك لأنه من النادر أن يرضى أحد عن حاله، ورغم ذلك فإننى لا أتردد لو أن الحياة بدأت من جديد فى أن أفعلها بعد أن جربت الحياة التى يخضع فيها المرء لمقاييس الآخرين ويفعل أشياء لا يحبها لمجرد أنها تأتى بالمال وبالمكانة. لكن لكى أكون صادقاً أصارحكم بأننى لن أكون خبازاً أو عازف هارمونيكا هنا فى هذا الوطن الذى يضرب بالجزمة كل من أراد أن يؤكد ذاته أو أن يحيا سعيداً خارج وصاية المجتمع. سوف يتعين أن أهاجر إلى الخارج حتى أستطيع أن أقف شامخاً فى المخبز الذى أعمل به أتبادل الضحكات والنكات مع الزبائن، أو أن أقف فخوراً على إحدى النواصى أعزف ألحانى بالقيثارة دون خوف من أن يظهر لى مُخبر يتقاسم معى رزقى أو يصفعنى على قفايا. نقلاً عن "المصري اليوم"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

خُبز وهارمونيكا خُبز وهارمونيكا



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt