توقيت القاهرة المحلي 02:30:43 آخر تحديث
  مصر اليوم -

كارل ماركس..العبيط!

  مصر اليوم -

كارل ماركسالعبيط

أسامة غريب

الفقر لا يؤدى بالضرورة إلى السخط والنقمة، ولكن التفاوت الصارخ بين الناس فى مستوى المعيشة هو الذى يزرع الغضب.. وقد ساهم البث الفضائى فى إدخال ملايين الفقراء كهوف الإحباط والكآبة، بعد أن سمحت لهم قنوات التليفزيون برؤية ليس ما يحدث فى الخارج فقط، بل رؤية كيف يعيش الآخرون فى بلدهم ذاته. ولقد تمكن العبقرى صلاح جاهين من رؤية تأثير الإعلانات التليفزيونية التى تروج للسلع والمنتجات والفيلات والمنتجعات الساحلية فى المجتمع الفقير.. تلك الإعلانات التى تحوى دائماً فتاة حلوة مع السلعة المراد تسويقها. التقط جاهين هذا فقال فى إحدى رباعياته: ياللى نصحت الناس بشرب النبيت/ مع بنت حلوة وعود وضحك وحديت/ مش كنت تنصحهم منين يكسبوا تمن دا كله ولّا يمكن نسيت!..عجبى.

التفاوت الشديد فى الدخول مع معرفة الناس واطلاعهم على أوجه الحياة المرفهة التى يعيشها غيرهم ساهم إلى حد كبير فى خلق الإنسان معدوم الضمير، الإنسان الذى يرحب بالكذب والغش والرشوة وأى وسيلة تدفع به إلى مجتمع المنعّمين أو على الأقل تسد احتياجاته الأساسية. وهكذا تفسخ المجتمع بعد أن أصبحت الشهامة والنجدة والوفاء عبئاً ثقيلاً على صاحبها قد يؤدى إلى تشريده وتجويع أبنائه. لكن ما دور الدين فى حالتنا هذه؟ فى الحقيقة إن ما حدث فى المجتمع المصرى يمثل حالة كلاسيكية يمكن تدريسها على مدى السنوات القادمة.. لقد كانت الأدبيات الماركسية تتحدث عن الدين باعتباره مخدراً يدجّن الفقير ويجعله راضياً عن عذابه فى انتظار الجنة ونعيمها فى الآخرة، لكن الحالة المصرية فى السنوات الثلاثين الأخيرة تدحض أفكار ماركس وتسخر منها، حيث إن التدين فى المجتمع المصرى لم يكن بمثابة الأفيون الذى يجعل الناس ترضى بالمقسوم، إذ إن الذى يرضى بالمقسوم هنا هو إنسان لم يفقد ضميره، أما فى حالتنا هذه فغالبية الناس تخلت عن الضمير ولم ترض بالقسمة والنصيب وإنما استجابت لدواعى السوق واكتسبت مهارات البقاء حتى أصبح الناسُ جميعاً يسرقون الناسَ جميعاً.. تقريباً!. وأصبح التدين يقوم بوظيفة خداع النفس لإقناعها بأن المرء وإن كان يرتشى ويكذب ويغش ويخون ويطعن فى الظهر إلا أنه ما زال يؤمن بالله ويؤدى فروضه فيصوم ويصلى ويكثر من رحلات العمرة.. وهذا من شأنه أن يخفف الشعور بالإثم ويمنح الشخص معدوم الضمير إحساساً زائفاً بالرضا عن النفس وبالقرب من الله.. ومن حسن حظ هؤلاء أن خطاً لإنتاج الشيوخ والدعاة قد تم تدشينه فأخذ يطلق منتجاته فى الأسواق، وهؤلاء عملوا على إثارة فزع الناس من الثورة أو الجهاد أو المطالبة بالحقوق، إذ ما حاجتنا إلى كل هذا إذا كنا نستطيع أن نقلّب عيشنا بأى طريقة بما فيها خيانة الأمانة والعمالة للأمن وقبول الإكراميات، ثم نفتح التليفزيون فى المساء ونستمع إلى الداعية اللطيف وهو يحكى حواديت حلوة عن سير الصحابة والأنبياء، مع رحلة العمرة آخر السنة التى سنكون فيها بصحبته شخصياً!.. هذا عن تأثير الدين على الفقراء المتدينين، أما الفقراء غير المتدينين فقد فقدوا ضمائرهم أيضاً وأصبحوا فاسدين إلا أنهم نجحوا فى الاستغناء عن الداعية اللطيف!.. وهكذا أخرج الفقراء المصريون ألسنتهم لماركس وأثبتوا له أن الدين مع الفقر لا يجعل الناس ترضى بالمقسوم، لكن يجعل منهم متدينين سفلة!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كارل ماركسالعبيط كارل ماركسالعبيط



GMT 22:24 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

مرحلة

GMT 22:21 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

الحوثي... الآن هنا

GMT 22:19 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

«ريد فلاج».. الاستظراف «علامة خطر»!

GMT 22:17 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

إطلالة سياسة في قمة الإعلام

GMT 22:14 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

التصويت على الحرب!

GMT 21:53 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

بيع محتمل

GMT 21:51 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

حفلة أصالة

GMT 21:49 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

قبل الفواتير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل الملابس الرجالية التي يمكن أن يختارها لترافقه

GMT 21:32 2022 السبت ,22 تشرين الأول / أكتوبر

التحقيق في سرقة قطع أثرية من متحف كلية آثار جامعة سوهاج

GMT 07:54 2020 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أسعار الدواجن في مصر اليوم الخميس 05 تشرين الثاني /أكتوبر 2020

GMT 06:16 2025 الثلاثاء ,15 تموز / يوليو

ديكورات "مودرن" وعمليّة في غرف الجلوس
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt