توقيت القاهرة المحلي 16:48:23 آخر تحديث
  مصر اليوم -

النَّقاءُ فيما كَتبَ شوقي عن حافظ من رِثاء

  مصر اليوم -

النَّقاءُ فيما كَتبَ شوقي عن حافظ من رِثاء

بقلم:تركي الدخيل

فُجِعَ أَمِيرُ الشُّعَرَاءِ، أحْمَدُ شَوقِي، بِوَفَاةِ شَاعِرِ النّيلِ، حَافظِ إبرَاهيمَ، لِأَسْبَابٍ مِنْهَا: أَنَّ شَوقِي كَانَ يَتَوَقَّعُ أنْ يَرْحَلَ هُوَ قَبْلَ حَافِظ. وَقَبْلَ ذَلِكَ، لِتَأَلُّمِهِ لِمَوْتِ صَدِيقِهِ الصَّدُوقِ، الَّذِي كَانَ يَقَعُ مِنْهُ فِي مَنْزِلَةٍ علِيَّة.

كَانَ شَوْقِي مِنْ أكْثَرِ شُعَرَاءِ العربية كِتابةً للشّعرِ، وتمَيَّزَ بِكَثافةِ مَرْثِيَاتِهِ، وَرِثَاءُ شَوقِي حافظَ إبراهيمَ مِنَ النَّقَاءِ بِمَكَانٍ، جَعَلَهُ مِنْ أَجْمَلِ الرّثَاءِ وَأَرَقِّهِ وَأَصْدَقِه.

وُلِدَ أَحْمَدُ شَوقِي، بِالقَاهِرَة، فِي 16 أكتوبَرَ (تشرينَ الأولِ) 1868م، وَتُوُفّيَ بهَا، في 14 أكتوبَر 1932م، عَنْ 64 عَاماً. كَمَا وُلِدَ حَافظُ إبرَاهِيم، في 24 فَبراير (شباط) 1872م، وَتُوُفّيَ بِالقَاهِرَة، في 21 يونيو (حزيران) 1932م، عن سِتينَ عَاماً. وَكَانَتْ وَفَاتُهُمَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، هُوَ عَامُ 1932.

بَدَأ شَوقِي رِثَاءَ حَافِظ، فَخَاطَبَهُ، بِقَوْلِه:

قَدْ كُنْتُ أُوْثِرُ أَنْ تَقُوْلَ رِثَائِي

يَا مُنْصِفَ المَوْتَى مِنَ الأَحْيَاءِ

يَقُولُ: كُنتُ أرجُو وَأتَمنَّى وأُفَضِّلُ أنْ تَكونَ يَا حَافِظُ، أَنتَ الرَّاثِي، وأنَا المَرْثِيُّ. يَقْصِدُ أنَّهُ كَانَ يتوَقَّعُ مَوْتَهُ أوَّلًا، فَيَرثِيهِ حافظ، مُشِيراً إلَى أَنَّ ذلكَ سَيكونُ بمَا عُرِفَ فِي حَافظِ إبراهيم مِنَ الإنْصَافِ والفَضلِ، وَوَصَفَهُ بأَنَّهُ «مُنصِفُ الموتَى من الأحْيَاء»، بِمَرَاثِيهِ الّتِي يُحسِنُ قولَهَا فِيهم.

وَلَاحِظْ أَنَّ شَوقِي قَالَ لِحَافِظ: أَنْ تَقولَ رِثَائِي، وَلمْ يَقُلْ: تَكْتُب. وَهِي لَفْتَةٌ إلَى مَا كَانَ مَعرُوفاً عَن حَافظِ إبراهيمَ من تَمَكُّنٍ وقُدرَةٍ وتأَلُّقٍ في إلقاءِ الشّعر، وَهِيَ خَصْلَةٌ كَانَ شَوقِي يَفقِدُهَا تماماً، إذ لمْ يُعرفْ عَنه أنَّه ألقَى شِعراً بِحُضُورِ جَمْعٍ بَتاتًا، لِخَشيتِهِ التَّلعثُمَ فِي الإِلقَاء!

ثُمَّ يقولُ لَهُ فِي البَيتِ الثَّانِي:

لَكِنْ سَبَقْتَ وَكُلُّ طُوْلِ سَلَامَةٍ

قَدَرٌ وَكُلُّ مَنِيَّـةٍ بِقَـضَـاءِ

لَكِنَكَ سَبَقتَني بالرَّحيل، والسَّلامَةُ من المَوتِ ليستْ سَوَى قدرٍ مِن أقدارِ الله، وَحُلُولُ المَوتِ لا يقعُ إلَّا بقضَاء.

الحَقُّ نَادَى فَاِسْتَجَـبْـتَ وَلَمْ تَـزَلْ

بِالحَـقِّ تَحْـفِـلُ عِـنْـدَ كُـلِّ نِـدَاءِ

عندما ناداكَ نداءُ الحَقِّ إلى الرَّحيلِ استَجبتَ له، وَكنتَ تَستجيبُ لنداءِ الحَقّ دَوماً.

بيَّنَ شوقي أنَّ حافظَ استجابَ لنداءِ الحَقّ (أي المَوت)، مُتحدّثًا أنَّ طبعَ حافظٍ أنْ يستجيبَ لنداءِ الحَقّ عَلَى الفَورِ وَالدَّوَام. وَهو بذلكَ يُثنِي علَى مَواقفِه الفِكريةِ، بتأييدِه للحُقوقِ، وَوُقُوفِهِ إلَى جَانبِ قضايَا العَدل، وَمناصَرتِهِ لِأهْلِ الحَق.

ثُمَّ يقولُ شوقِي لِحَافظ، بِصِدقِ وَمَحبةِ الأصْدِقَاء:

وَوَدِدْتُ لَوْ أَنِّي فِدَاكَ مِنَ الرَّدَى

وَالكَاذِبُونَ المُرْجِفُونَ فِدَائِي

رَغِبتُ أَنْ أكون فداءً لكَ مِنَ الرَّدَى: الموتُ. ويَفدينِي أهلُ الكذب، المُرجِفونَ: المُثيرون للفوضَى والاضْطرابِ بإشَاعاتِهمُِ الكذبَ. ويستمرُّ في وصفِ المُرجِفينَ، بقولِه عَنهم:

النَّاطِقُوْنَ عَنِ الضَّغِينَةِ وَالهَوَى

المُوْغِرُو المَوْتَى عَلَى الأَحْيَاءِ

النص الكامل على الموقعفي صُورةٍ بلاغيةٍ يقولُ عَنِ المُرجِفينَ أنَّهم النَّاطقُ الرَّسميُّ باسمِ الهوَى، والضَّغِينَةُ: هِيَ الحِقْدُ الشَّدِيدُ والعَدَاوَةُ والبَغْضَاءُ.

مِنْ كُـلِّ هَـدَّامٍ وَيَـبْـنِـي مَجْدَهُ

بِكَـرَائِـمِ الأَنْـقَـاضِ وَالأَشْلَاءِ

وَيواصِلُ وصفَ المُرجِفينَ، فَهمْ كلُّ هَدَّامٍ، ولَاحظْ أنَّه قالَ هنَا: هَدَّام ولمْ يَقُل: هَادِم. فالهَدَّام، صيغةُ مُبالغةٍ مِنْ هَدَمَ، وَالمَقصُودُ هَدمُ القِيَمِ وَأهلِ المَكَارِم. إِنَّ هؤلاءِ يَبنونَ مَجدَهمْ بِالوقوفِ علَى أنقاضِ مَا يهدِمونَ مِنْ مَكارمَ ومَحاسنَ، وبالوُقوفِ علَى الأشْلَاء: وَهيَ جُثثُ الكِرامِ الذِينَ هَدمُوهُمْ مَعَ هَدمِ مَكَارِمِهِمْ!

ولطيفٌ وصفُ شوقِي الأنقاضَ بالمكارمِ، رغمَ أنَّها آثارُ هدمٍ، ذلكَ أنَّ المَكارمَ لا تفقِدُ مَا فيهَا من قيمةٍ حتَّى وهيَ أنقاضٌ!

ويُحَدِّثُ شوقي حافظَ عن المُرجِفينَ الذينَ حاولُوا إيذاءَ حافظٍ فِي حَياتِه، فيقولُ:

مَا حَـطَّـمُـوْكَ وَإِنَّمَا بِكَ حُـطِّـمُـوا

مَـنْ ذَا يُـحَـطِّمُ رَفْـرَفَ الجَـوْزَاءِ؟!

أيْ أنَّهم رغمَ المكائدِ والإرْجافِ لم يتمكَّنُوا من تَحطيمِكَ ضمنَ الهَدمِ المُتواصلِ الذِي عمِلُوا عليهِ، لكنَّهمْ بِقصدِهمْ إيَّاكَ وَعجزِهِمْ عنِ الإسَاءةِ إليكَ، هُم الَّذِين حُطِّمُوا وتَهَدَّمُوا.

ثُمَّ يَطرحُ في عَجُزِ البَيتِ سؤالاً استنكَاريّاً، يؤكّدُ بهِ صدرَ البَيتِ، وَهوَ:

مَـنْ ذَا يُـحَـطِّمُ رَفْـرَفَ الجَـوْزَاءِ؟!

الرَّفْرَفُ: جَوانبُ الدِّرْعِ وَمَا تَدَلَّى مِنْهَا. والجَوْزَاءُ: نَجمٌ مِنْ أشهَرِ النُّجُومِ، وبُرجٌ مِنْ بُرُوجِ السَّمَاءِ. فَمنْ يُمكنُهُ أَنْ يُحَطِّمَ نَجْماً وبُرْجاً سَمَاوِيّاً؟!

اُنظُرْ فَأَنْتَ كَأَمْسِ شَأْنُكَ بَاذِخٌ

فِي الشَّرْقِ وَاسْمُكَ أَرْفَعُ الأَسْمَاءِ

تَأمَّلْ فِي شَأنِكَ فوَزْنُكَ ثَقيلٌ وَقيمتُكَ رَفيعَةٌ وَشَأنُكَ بَاذِخٌ: أي عَالٍ. وَفِي تَرتِيبِ الأَسْمَاءِ، اسْمُكَ الأَوَّلُ، الأَرْفَعُ بينَ الأَسْمَاء.

القَصِيدَةُ طَوِيلَةٌ، تُبَيِّنُ خِصَالَ حَافظ، وتُؤَكِّدُ نُبْلَ شَوقِي

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

النَّقاءُ فيما كَتبَ شوقي عن حافظ من رِثاء النَّقاءُ فيما كَتبَ شوقي عن حافظ من رِثاء



GMT 10:44 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

الحرب وقطاع المنسوجات!

GMT 10:41 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

هل يتأثر المتصهينون؟

GMT 10:40 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

لبنان بين هدنة القوة وسلام الضرورة

GMT 10:36 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

مآرب أخرى

GMT 10:33 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

العودة إلى القمر

GMT 10:31 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

عالم الأزمات!

GMT 10:30 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

تخصيب اليورانيوم

GMT 11:33 2026 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

هو هنا وهناك

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 08:59 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

دعاء تفريج الهم والكرب

GMT 16:09 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

GMT 12:17 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

غوارديولا يؤكّد أن محمد صلاح ينتظره مستقبل كبير

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 08:52 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

أدعية السفر لحفظ وسلامة المسافرين

GMT 19:31 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

ترامب يعبر عن صدمته من موقف رئيسة وزراء إيطاليا

GMT 20:28 2025 الثلاثاء ,07 تشرين الأول / أكتوبر

جوكوفيتش يسقط بسبب الحر لكنه يحقق الفوز

GMT 15:17 2019 الخميس ,23 أيار / مايو

إختيارات المنتخب بين الواقعية والمجاملة

GMT 14:50 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

حافظ على رباطة جأشك حتى لو تعرضت للاستفزاز

GMT 09:21 2024 الأربعاء ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

الترجي التونسي يعلن تعاقده مع يوسف البلايلي

GMT 00:39 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

أفضل طريقة للحفاظ على العطر

GMT 16:02 2018 الإثنين ,05 آذار/ مارس

طريقة تحضير كعكة الجزر الخفيفة لصحة أسرتك

GMT 15:39 2015 الإثنين ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

الأغنياء يستطيعون مواصلة العمل في جامعة أكسفورد وكامبريدج

GMT 01:14 2019 الخميس ,07 آذار/ مارس

ثلاثية الإهمال واللامبالاة واللامسئولية!
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt