توقيت القاهرة المحلي 03:11:34 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الأشْعَارُ المُحكَمَةُ

  مصر اليوم -

الأشْعَارُ المُحكَمَةُ

بقلم:تركي الدخيل

مِنَ الكُتُبِ التِي سَكَّتْ مَعاييرَ الشّعر، وَحدَّدت مساراتِ جودتِه، كِتابُ ابنِ طَباطبَا العلوِي المُسمَّى: «عيار الشعر»، وفيه تحدث عن (الأشْعَارُ المُحكَمَةُ)، فقَالَ: «فَمِنَ الأشْعارِ المُحْكَمةِ، المُتْقَنَةِ، المُسْتَوفَاةِ المَعَاني، الحَسَنِة الوَصْفِ، السَّلِسَة الألفْاظِ، الَّتِي قد خَرَجَتْ خُروجَ النَّثْرِ سُهولةً وانْتظِامًا، فَلَا اسْتِكْرَاهَ فِي قَوافِيها، وَلَا تَكَلُّفَ فِي مَعَانيها، وَلَا عَي لأصْحَابِهَا فِيهَا...». وعدَّ ابنُ طباطبَا من شعرِ الحكمة، والأبيَاتِ المحكمةِ، قولَ زُهيْر بنِ أبِي سُلمَى، فِي أوَاخِرِ أبياتِ معلقتِه المِيميَّة:

1. سئمت تكاليَف الحَيَاةِ وَمن يَعِشْ ثَمانِينَ حَوْلًا لَا أبَالَكَ، يَسْأمِ

2. رأيْتُ المَنَايا خَبْطَ عَشْواءَ من تُصِبْ تُمِتْهُ ومنْ تُخْطِئْ يُعَمَّرْ فَيَهْرَمِ

3. وأعْلَمُ مَا فِي اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ولكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَمِ

وَهذهِ التفاتةٌ ذكيَّةٌ مِنْ زُهير، إذ يُشيرُ إلى أنَّ النَّاسَ يرفعونَ العَالِمَ، وهوَ يكونُ عَالِماً بعلمِهِ بأحداثِ اليومِ وفوائدِهِ وَأحداثِ الأمَس، والتي أُراكِمُ بهَا التجاربَ وأزيدُ بها مَعلوماتِي، وأصْطفِي من الحَياةِ زُبدَها، ومن قصصِ الأممِ ملخصَاتِها ونتائجَ تعاملاتِهم ومنْ تصرفاتِهم أقفُ علَى الخطأ فأتجنبُه والصَّوابِ فأقصدُه. لكنَّنِي أعمَى عنْ عِلمِ مَا فِي الغَد، ومعَ عمَايَ عن المُستقبلِ، فإنَّ ذلك لا يُنقصُ من علمي ولَا من تقديرِ مَنزلتِي، لأَنَّ النَّاسَ يعلمون يقينًا أنَّ اللهَ تعالَى قد اختصَّ وحدَه سُبحانَه بعلمِ الغَيبِ، لَا يشاركُهُ فيهِ أحدٌ.

4. ومَنْ لَا يُصَانِعْ فِي أُمُورٍ كَثيرةٍ يُضَرَّس بأنْيَابٍ ويُوطَأ بِمَنْسِمِ

هنا ابتدأ الشَّاعرُ في استعراض خلاصاتِ تجاربه وزبدِ حكمتِه يختزلُها في هذه الأبياتِ الأخيرةِ من معلقتِه الشَّهيرة. وَالمُصانعةُ هي المُداراةُ والمُمالأة مع النَّاس، وألَّا يكونَ المرءُ ممَّن يقفُ عندَ الصَّغيرةِ والكبيرة، ويعترضُ علَى كلّ شيءٍ ولا يُرضيه شيءٌ. فَمنْ لا يُدارِي النَّاسَ ويتغافلُ عن كثيرٍ من الأمور، قَطَّعَهُ النَّاسُ بأنيابِهمْ وَمَضغُوهُ بِأضْراسِهمْ. ولعلَّ من أهمّ ما يميّز شعرَ زهير بنِ أبي سُلمَى بِالمُجمَل، ما يزيِّنُ به أبياتِه من شَواردِ الحكمةِ، وهذه المزيةُ كانتْ من حججِ وبَراهينِ الذين قَالُوا بأنَّ زهيراً أشعرُ الشُّعراءِ العَرَب.

وَقد اتَّفقُوا على تقديمِ ثلاثةِ شعراء، فجعلُوهمْ الطَّبقةَ الأولَى من فحولِ شعراءِ الجَاهلية، وهمْ إضافةً إلى زُهير: امرؤُ القيس، والنابغةُ الذبياني.

قالَ عبدُ الله بنُ عباس: قالَ لِي عمرُ (ابن الخطاب): أنشدْنِي لأشعرِ شُعرائِكم. قلتُ: منْ هوَ يَا أميرَ المؤمنين؟ قالَ: زُهير. قلتُ: وكانَ كذلك! قالَ: كانَ لا يُعاظِلُ بين الكلام، ولا يَتْبَعُ وَحْشِيَّهُ، ولا يمدحُ الرجلَ إِلا بما فيه.

(المعاضلةُ: تعقيدُ الكلامِ والتَّكلف في رصفِه والإتيانُ به، وموالاةُ بعضه فوقَ بعض، حتى يتداخل ويغمض. ووحشيُّ الكلامِ ويُقال له حوشيه، وهو غريبُه والنافرُ منه. وربَّما سُمّي الكلامُ الغريبُ وحشيًا لمَا يُنبتُ في النفوسِ من نفرةٍ وخوفٍ واضطراب، كالذي تفعلُه وحوشُ البَرية بالنَّاس.

نقل ابن سَلَّام الجُمَحِي في (طبقات فحول الشعراء)، عن قُدامَة بن موسى (إمام المسجد النبوي الشريف، وأحد ثقاة الرواة، ومن علماء المدينة) أَنَّهُ كان يُقدِّمُ زهيرَ بن أبي سُلمى على بقية فحولِ الطبقة الأولى.

قالَ أهلُ النَّظر: كانَ زهيرٌ أحصفَهم شعراً، وأبعدَهم من سُخف، وأَجمَعَهم لكثيرٍ من المعنَى في قليلِ من المنطق، وأشدَّهم مبالغةً في المَدح، وأكثرهم أمثالاً في شعره.

5. ومَنْ يَجْعَل المَعْروفَ مِنْ دُونِ عِرضِهِ يَفَرْهُ، ومَنْ لَا يَتَّقي الشَّتْمَ يُشْتَم

المعروفُ: هو العملُ الطّيبُ والفعلُ الجميلُ الذي يرتضيه النَّاسُ ويستطيبونَه. فمن يفعلُ الأعمالَ الطّيبة، والفعالَ الحميدةَ فيقدمُها لمنْ يسبُّونَه ويعترضونَ عليه، فيسكتُهم عن الإساءةِ لهُ بالإحسانِ إليهم.

6. ومَنْ يَكُ ذَا فَضْلٍ فَيَبْخَلْ بِفَضْلِهِ عَلَى قَوْمِهِ يُسْتَغْنَ عَنْهُ ويُذْمَمِ

وَهذَا البيتُ فيه معنًى مناقضٌ لمعنَى البيتِ السَّابق، يتحدَّث الشَّاعرُ عن الميسورينَ مالياً الذين لا يؤدونَ واجبَ العطاءِ ويمنعُهم من الإنفاقِ بُخلُهم، مبيناً أنَّ مصيرَ هؤلاءِ أن يذمَّهم النَّاسُ ويستقبحونَ بخلَهم، كمَا أنَّ مَنِ احتاجَ إليهم سَيستغنِي عنهم بعطاءِ الكرامِ الذين سيُقبلُ عليهم ويُدبرُ عَنِ البُخَلَاء.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأشْعَارُ المُحكَمَةُ الأشْعَارُ المُحكَمَةُ



GMT 10:44 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

الحرب وقطاع المنسوجات!

GMT 10:41 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

هل يتأثر المتصهينون؟

GMT 10:40 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

لبنان بين هدنة القوة وسلام الضرورة

GMT 10:36 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

مآرب أخرى

GMT 10:33 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

العودة إلى القمر

GMT 10:31 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

عالم الأزمات!

GMT 10:30 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

تخصيب اليورانيوم

GMT 11:33 2026 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

هو هنا وهناك

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:37 2023 الجمعة ,03 آذار/ مارس

افتتاح مطعم وجبات خفيفة أثري في إيطاليا

GMT 17:38 2017 الجمعة ,04 آب / أغسطس

قانون للتواصل الاجتماعي

GMT 16:34 2015 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

سيارة Toyota Fortuner 2016 بتصميم مختلف كليًا

GMT 08:58 2020 السبت ,29 شباط / فبراير

يتحدث هذا اليوم عن مغازلة في محيط عملك

GMT 11:18 2019 الثلاثاء ,20 آب / أغسطس

اهمية تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى مصر

GMT 18:54 2017 الثلاثاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

مدرب الاتحاد السكندري يُغير طريقة اللعب بعد رحيل هاني رمزي

GMT 20:04 2025 الخميس ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

ماسك يتوقع أن الذكاء الاصطناعي سيجعل سكان العالم أثرياء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt