توقيت القاهرة المحلي 22:45:46 آخر تحديث
  مصر اليوم -

التَّصريحْ بجمالِ بعضِ أبياتِ المديحْ

  مصر اليوم -

التَّصريحْ بجمالِ بعضِ أبياتِ المديحْ

بقلم:تركي الدخيل

سُئِلَ أبو تَمَّامٍ عَنْ أَمدَحِ بَيْتٍ قَالَهُ؟ فأشارَ إلى قولِه:

فَلَوْ صَوَّرْتَ نَفْسَكَ لَمْ تَزِدْهَا

عَلَى مَا فِيْكَ مِنْ كَرَمِ الطِّبِاعِ

والحق أَنَّ البيتَ من أجملِ أبياتِ المديحِ، فالشَّاعرُ يقولُ لِمَمدوحِهِ، إِنَّه، حتَّى لو أرادَ أنْ يَصنَعَ صُورتَه مِنْ جَديدٍ، فإِنَّه فِي الصُّورةِ التي سيشكلُهَا بشكلٍ كَاملٍ، لن يستطيعَ أَنَّ يُضيفَ لنفسِهِ مَا يَزيدُهَا بِهِ، مِمَّا ليسَ لَديهِ منَ الخَصَائصِ الإيجَابِيَّةِ، وَالطّبَاعِ الكَرِيمَة.

عَادةُ النَّاسِ إذَا تَحَدَّثُوا عَنْ أنفسِهمْ، أنْ يبالغُوا ويتزيدُوا، لكنَّ الممدوح حتَّى وهوَ يصنعُ صورةً جديدةً، علَى سَبيلِ الافترَاضِ، الذِي دَلَّتْ عَليهِ (لَوْ) فِي البَيتِ، بِكَمَالِ صِفاتِهِ، خِلافاً لِكونِهِ لَنْ يضيفَ زيادة مَزايا لنفسِه، إلَّا أنَّه لَا يَفعلُ ذلكَ بدافعٍ أَخْلاقِيّ أيْضاً، فهوَ لَا يقولُ غيرَ الحَقّ، وَلَا يَقبلُ أَنْ يتزيَّدَ فِي واقعٍ، وَلَا يقولُ مَا ليسَ صَحيحاً، أوْ يبتكرُ ما ليسَ مَوجُودًا، وَهوَ مَلمحٌ يُضيفُ إلَى جَمَالِ البَيتِ مَزيداً مِنَ الجَمَال.

وَاللَّافتُ أَنَّ أبَا تَمَّامٍ، فِي حَديثِهِ عَنْ خَلقِ صُورةٍ جَديدةٍ، تَحَدَّثَ عَنِ الطَّبعِ، فِي قَولِه: «علَى مَا فِيكَ مِنْ كَرَمِ الطّبَاعِ».

وَالحَديثُ عَنِ الطّباعِ فِي فِكرةٍ خَياليَّةٍ، تقومُ علَى صِناعَةِ صُورَةٍ كَامِلَةٍ، يُظهِرُ بِجَلَاءٍ، قَناعةَ الشَّاعِر، بمَا للطَّبعِ منْ كَبِيرِ أثرٍ فِي السُّلوكِ البَشَرِيّ.

قِيلَ: إنَّ أعظمَ شِعرٍ مُدَحَ بهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قولُ حسَّانَ بنِ ثابتٍ فِي مَدحِ النَّبِيّ المُصْطَفَى:

وَأَحْسَنُ مِنْكَ لَمْ تَرَ قَطُّ عَيْنِي

وَأَجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ

خُلِقْـتَ مُبَـرَّءًا مِـنْ كُـلِّ عَيْبٍ

كَـأَنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَمَا تَشَاءُ

وَمِنْ إحسانِ حسَّان، في البيتينِ، وَعلَى الرّغمِ منْ أنَّه يَمدحُ خيرَ البَشرِ ﷺ، فَإِنَّه لمْ يَنسُبْ لِلنَّبيّ عَليهِ السَّلامُ، مَا لَا يَجوزُ نِسبتُهُ لِغيرِ اللهِ سُبحانَه.

فقولُهُ مُخاطبًا النَّبِيَّ ﷺ: «خُلِقتَ مُبرّءًا من كلّ عيبٍ»، تأكيدٌ علَى أَنَّ اللهَ خَلقَ نَبيَّه علَى أكْملِ صُورَةٍ، وَأَجمعِهَا لِلمَحَاسِنِ.

وَقولُهُ: «كأَنَّكَ قدْ خلقتَ كَمَا تشاءُ»، خرجَ منْ نِسبةِ المَشيئةِ للنَّبِيّ ﷺ فِي خلقِهِ، باستخْدامِه كَلِمةَ: «كَأنَّك»، وَحَرفَ: «قد»، وَهُمَا صَيَّرَا الجملةَ في دَائرةِ الشَّكِ، لَا الجَزمِ وَالتَّأكيدِ.

وَمنْ أبياتِ المَديحِ اللَّطيفَةِ، بَيتُ الشَّاعِرِ العَبَّاسِي «كُشَاجِم»، الذِي يقولُ فيهِ:

شَخَصَ الأَنامُ إِلَى كَمَالِكَ فاسْتَعِذْ

مِنْ شَرِّ أَعْيُنِهِمْ بِعَيْبٍ وَاحِدِ

وَمِنَ اللفتاتِ الجَميلةِ في البيتِ، أَنَّ الشَّاعرَ جعلَ الاستعاذةَ مِنْ شَرّ أعينِ الشَّاخِصينَ لِكمالِ المَمْدوحِ، تَكفِي بعيبٍ وَاحدٍ فقط!

فَمِنَ الأضدادِ فِي البَيتِ، أنَّ سببَ شُخوصِهمْ «كمالُ» المَمدوحِ، وَضِدُّهُ: الاستعاذةُ منْ شرّ أعينِهم بـ«عيب».

وَالعَيبُ ضِدُّ الكَمَال.

وَمنَ الأضدادِ: أن يكونَ «الأنامُ» شَخصوا إلى الكَمالِ، وَالأنامُ همْ مَنْ عَلَى الأرضِ مِنْ جِنٍّ وَإنْس، مَا يعنِي أنَّ مَنْ شخَص إلَى الكَمالِ لا يُحصَى عددًا، وأنْ يكونَ قُبالةَ ما لا عَدَّ له كثرة، عيبٌ «واحدٌ» يُستعاذ به. فكثرةُ مَا لا يمكنُ عَدُّهُ، ضدُّه أقلُّ معدودٍ وهوَ الوَاحد!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التَّصريحْ بجمالِ بعضِ أبياتِ المديحْ التَّصريحْ بجمالِ بعضِ أبياتِ المديحْ



GMT 10:44 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

الحرب وقطاع المنسوجات!

GMT 10:41 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

هل يتأثر المتصهينون؟

GMT 10:40 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

لبنان بين هدنة القوة وسلام الضرورة

GMT 10:36 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

مآرب أخرى

GMT 10:33 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

العودة إلى القمر

GMT 10:31 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

عالم الأزمات!

GMT 10:30 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

تخصيب اليورانيوم

GMT 11:33 2026 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

هو هنا وهناك

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:37 2023 الجمعة ,03 آذار/ مارس

افتتاح مطعم وجبات خفيفة أثري في إيطاليا

GMT 17:38 2017 الجمعة ,04 آب / أغسطس

قانون للتواصل الاجتماعي

GMT 16:34 2015 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

سيارة Toyota Fortuner 2016 بتصميم مختلف كليًا

GMT 08:58 2020 السبت ,29 شباط / فبراير

يتحدث هذا اليوم عن مغازلة في محيط عملك

GMT 11:18 2019 الثلاثاء ,20 آب / أغسطس

اهمية تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى مصر

GMT 18:54 2017 الثلاثاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

مدرب الاتحاد السكندري يُغير طريقة اللعب بعد رحيل هاني رمزي

GMT 20:04 2025 الخميس ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

ماسك يتوقع أن الذكاء الاصطناعي سيجعل سكان العالم أثرياء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt